قصة معلمة أنهت 40 سنة من التعليم بجملة قالها طفل في السادسة

لمحة نيوز

بعد أربعين عاما من التعليم انتهت مسيرتي بجملة واحدة قالها طفل في السادسة من عمره
أبي يقول إن أشخاصا مثلك لم يعودوا ضروريين.
لم يقلها بسخرية ولم يقصد الإهانة. قالها ببرود عابر كما لو كان يعلق على الطقس.
وأضاف ببساطة أنت حتى ما بتعرفي تستخدمي تيك توك.
أنا السيدة إليانور فانس قضيت أربعة عقود أدرس مرحلة رياض الأطفال في ضاحية هادئة من دنفر.
واليوم حزمت صناديق صفي للمرة الأخيرة.
عندما بدأت في أوائل الثمانينات كان التعليم عهدا مقدسا.
لم نكن نتقاضى رواتب كبيرة لكننا كنا نحظى بالاحترام.
كان الأهالي يجلبون الكعك إلى الاجتماعات والأطفال يقدمون بطاقات مرسومة بأيديهم وقلوب مائلة ومبتسمة.
كانت فرحة طفل يقرأ جملته الأولى بمثابة مكافأة لا تقدر بثمن.
لكن شيئا ما بدأ يتآكل ببطء.
الوظيفة التي عرفتها يوما اختفت وحل مكانها الإرهاق وقلة الاحترام ووحدة عميقة.
ليالي

لم تعد تقضى في قص نجوم ورقية بل في تسجيل حوادث السلوك على تطبيق إلكتروني لحماية نفسي من الدعاوى القضائية.
تعرضت للتوبيخ من أولياء أمور أمام تلاميذي أنفسهم أحدهم كان يصورني بهاتفه بينما أحاول تهدئة طفل في نوبة غضب.
تلك الحادثة لم تكن مجرد موقف عابر.
كانت الشرخ الأول في جدار ظل متماسكا أربعين عاما.
في ذلك اليوم وأنا أرى الهاتف مرفوعا في وجهي شعرت كأنني تحولت من معلمة إلى متهمة
ومن إنسانة تدرس بحب إلى صورة على شاشة تحاكم بعيون لا تعرف شيئا عني.
بعد انتهاء الحصة جلست على كرسيي الخشبي المتهالك
الذي طالما كان شاهدا على آلاف القصص الصغيرة التي حدثت بين جدران هذا الصف.
نظرت إلى الطباشير المكسور على الطاولة إلى دفتر الملاحظات المليء بخطوط صغيرة لطفل يتعلم الكتابة
وفكرت كم تغير العالم دون أن أنتبه.
في الماضي كان الصف أشبه بعائلة.
الطفل الخجول يجد حضنا
دافئا من أصدقائه
والمشاغب يجد فيي أما تعرف كيف تحتوي غضبه دون أن تكسره.
أما اليوم فكل شيء صار رسميا مراقبا خاليا من الروح.
حتى ابتسامتي صارت تحسب ضمن التفاعل العاطفي في تقرير إلكتروني يرفع للإدارة شهريا.
في المساء عدت إلى منزلي بخطوات بطيئة.
بيتي كان هادئا أكثر من اللازم
وصوت المطر على النافذة بدا كأنه يحاول مواساتي.
جلست على الأريكة احتضنت فنجان الشاي بيدي
ورأيت في البخار المتصاعد وجوه أطفالي الصغار الذين مروا من هنا ثم اختفوا في زحام الحياة.
كنت أتساءل دائما
هل يتذكرني أحدهم
هل حين يقرأ أحدهم لأول مرة في حياته كتابا كبيرا يتذكر أن هناك امرأة علمته كيف يربط بين الحروف
هل حين يربي أحدهم طفلا سيخبره أن الحب وحده هو أفضل وسيلة للتعليم
مرت تلك الليلة بطيئة مثقلة بالأسئلة.
وفي اليوم التالي عدت إلى المدرسة كما أعود كل مرة بابتسامة متعبة ودفء مصطنع.

لكن شيئا كان مختلفا في داخلي.
بدأت ألاحظ التفاصيل الصغيرة التي لم أكن أراها من قبل.
الطلاء المتقشر على الجدران.
السجادة التي فقدت لونها من كثرة ما داسها الصغار.
رائحة الطباشير الممتزجة ببخار القهوة من غرفة المعلمين.
كل ركن في المكان كان يحكي عن تعبنا عن سنوات من العطاء بلا مقابل.
وفي إحدى الحصص بينما كنت أشرح درسا بسيطا عن الأحلام
رفعت طفلة صغيرة يدها وسألت
مس ليه الكبار ما بيحلموش
سؤالها صفعني بلطف.
ضحكت لكن قلبي انكسر.
قلت لها إحنا بنحلم يا حبيبتي بس ساعات بننسى نحلم بصوت عالي.
ضحكت الطفلة لكنني كنت أعلم أنني لا أكذب عليها فقط بل على نفسي أيضا.
في كل عام كنت أقول سأصمد عاما آخر.
ثم يأتي العام التالي ومعه عشرات الأوراق الإدارية
وتقارير الأداء واستمارات التطوير
وكلها تسرق مني الوقت الذي كنت أخصصه للحكايات والضحك.
حتى طلابي تغيروا.
أصبحوا يجلسون
في صمت مشغول
عيونهم تائهة كأنها تبحث عن شاشة غير
تم نسخ الرابط