قصة امرأة علمتها حماتها كيف تبكي بصمت فتعلمت أن تنهض بقوة
امرأة خسرت معركة لم تكن تستحقها
وامرأة تتمنى لو يعود الزمن لتكون أما مختلفة.
وفي ليلة من الليالي أمسكت بيدي وقالت بصوت مبحوح
يا ليلى سامحيني ما كنت أكرهك كنت أغار منك كنت شايفة فيك البنت اللي تمنيت أكونها.
لم أتمالك نفسي فبكيت.
قلت لها من يوم طلعت من بيتك سامحتك يا حاجة سامحتك علشان أقدر أعيش.
ابتسمت ودمعتها نزلت ببطء وهي تهمس الله يجزيك خير يا بنتي الطيبة.
نامت تلك الليلة بسلام لم أره على وجهها من قبل
وفي الصباح رحلت بهدوء.
كنت أول من أمسك يدها الباردة بعد رحيلها
وأول من قرأ عليها الفاتحة
وأول من حمل الزهور إلى قبرها بعد الدفن.
لم أبك كثيرا لأنني شعرت أن دموعي القديمة كانت كافية عنها.
كنت فقط أشكر الله في قلبي أني لم أترك الحقد يربطني بها
بعد أيام طرق الباب عند الغروب.
فتحت فوجدت أحمد واقفا أمامي متعب الوجه عيونه شاحبة كمن لم يعرف النوم منذ أيام.
قال بهدوء أمي قالت لي قبل ما تموت إنك كنت أحن علي منها.
نظرت إليه صامتة.
قال ليلى ما كنتش أعرف إني خسرتك غير لما شفتك جنب أمي وهي بتموت.
سكت لحظة ثم أضاف رجعتي لها رغم كل شيء وده خلاني أشوف إنك أقوى من أي كلام.
كنت أستمع إليه وكأن قلبي لا يعرف ماذا يشعر.
جزء مني أراد أن يصدق ندمه وجزء آخر كان يخشى العودة إلى الدائرة القديمة.
قلت له اللي بينا انتهى يا أحمد بس ما فيش كراهية.
أنا سامحتك زي ما سامحتها علشان أعيش مرتاحة.
خفض رأسه وقال كنت بتستاهلي كل الاحترام وأنا ما صنتكش.
نظرت إليه وقلت الاحترام مش شيء يطلب هو فعل. وأنا اتعلمت
قال بصوت مبحوح عايز أبدأ من جديد مش علشان أرجع اللي كان لكن علشان أكون راجل أستحق بنتي.
نظرت إلى طفلتي التي خرجت من غرفتها الصغيرة وهي تمسك دميتها وتنظر إليه باستغراب.
قال لها بابتسامة حزينة بابا يا حبيبتي.
اقتربت منه ببطء ثم وضعت يدها على وجهه وقالت بخجل بابا ليه كنت بعيد
أغلق عينيه ودموعه انهمرت ثم قال كنت غبي.
في تلك اللحظة شعرت أن شيئا ما قد تغير فينا جميعا.
الغضب ذاب والألم صار ذكرى بعيدة لا تؤلم كما كانت.
لم أعد أكرهه ولم أعد أريد الانتقام من أحد.
كنت فقط أريد السلام.
ومنذ ذلك اليوم صار يزور ابنته كل أسبوع.
لم نعد زوجين لكننا صرنا عائلة من نوع آخر.
كنت أرى في عينيه تقديرا لم يعرفه من قبل وكنت أشعر
كنت أرى طفلتي تضحك وأقول في نفسي ربما الله كتب كل ما حدث ليعلمنا كيف نحب بعد الألم.
مرت السنوات
كبرت طفلتي وصارت تكتب في دفاترها الصغيرة عن أم قوية وأب تغير.
كنت أقرأ ما تكتبه وأبتسم.
أحيانا كنت أذهب إلى قبر حماتي أضع وردة بيضاء وأقرأ لها الفاتحة.
ثم أهمس رحمك الله يا من علمتني كيف أبكي بصمت فتعلمت بعدها كيف أعيش بسلام.
لم تعد دموعي خائفة
ولا صمتي ضعفا
ولا قلبي ساذجا كما كان.
لقد نضجت نضجت حتى صرت أبتسم وأنا أتذكر كل ما حدث
لأني أدركت أخيرا أن الله لا يبتلينا ليكسرنا بل ليعيدنا إلى أنفسنا التي نسيناها.
وفي كل مرة تنظر فيها طفلتي إلي وتقول
ماما إنت دايما قوية.
أبتسم وأهمس في سري
القوة ما كانت هدية يا بنتي القوة