لم أذهب لسوق الاغراض المستعملة إلا لأبحث عن ملابس لطفلتي

لمحة نيوز

ما هي مبهجة 
في الصباح أخبرت إيثان 
كان صوته خافتا عندما قال لي 
مايا يمكن دي رحمة ربنا يمكن حد حابب يساعد من غير ما يتعرف مش لازم نعرف مين 
نظرت إليه وأنا أبحث في عينيه عن شك أو تردد فلم أجد إلا صدقا بسيطا يشبه أيامنا الأولى 
ترددت قبل أن أجيبه 
بس يا إيثان لو الفلوس دي جاية من حاجة غلط لو في حد محتاجها أكتر منا
قال بابتسامة خفيفة 
مايا إحنا محتاجينها وأنا واثق إن اللي كتب الملاحظة دي كان عارف هو بيعمل إيه 
بقيت كلماته تدور في رأسي طوال اليوم حتى وأنا أطعم هاربر أو أغير لها ملابسها 
في كل مرة ألمح الظرف فوق الطاولة أشعر أنه يناديني يختبرني يسألني من جديد 
هل تثقين
قررت في النهاية أن أحتفظ بالمال مؤقتا حتى أتأكد 
وضعت الظرف داخل صندوق خشبي صغير كان لإيثان وأخفيته في أعلى الخزانة 
لكن الفكرة لم تتركني 
كنت أستيقظ في الليل وأفكر في المأوى المكتوب على الملاحظة 
من هؤلاء الذين كتبوا الرسالة هل ما زالوا أحياء وهل كانوا يعرفون أن المال سينتهي بي
بعد أيام استسلمت للفضول 
ذهبت إلى العنوان المكتوب 
كان المكان مبنى متواضعا قديم الطلاء تتجمع حوله نساء يحملن أطفالا وحقائب 
كان البرد قاسيا والريح
تلسع وجهي لكني بقيت واقفة أمام الباب أتأملهم 
لم أستطع الدخول 
شعرت أني دخيلة أني لا أنتمي إلى هنا ولا إلى هناك 
في النهاية عدت إلى البيت وأنا أضم حقيبتي بقوة كأن أحدا سيحاول انتزاعها 
في تلك الليلة جلست مع إيثان نتحدث طويلا 
كان هادئا يستمع أكثر مما يتكلم 
قال لي بعد صمت طويل 
مايا إحنا قضينا شهور بنخاف من بكرة يمكن دلوقتي جالنا بكرة اللي كنا بندور عليه 
كانت كلماته بسيطة لكنها اخترقتني 
لم يكن يقصد المال فقط بل يقصد الحياة نفسها 
بدأنا نستخدم المال بحذر شيئا فشيئا 
دفعت الإيجار المتأخر واشتريت طعاما أفضل وألبسة دافئة لهاربر 
كل شيء كان يبدو طبيعيا عاديا لكن في داخلي شعور غريب يهمس هذا ليس مجرد صدفة 
مرت أسابيع وتحسن كل شيء قليلا 
إيثان بدأ يستعيد روحه صار يضحك مع هاربر يجر الكرسي قرب النافذة يحاول أن يطبخ أو يروي لي حكايات من عمله القديم 
كانت الضحكة تعود ببطء إلى بيتنا مثل شعاع شمس يخترق غرفة مغبرة بعد طول غياب 
كنت أراه يبتسم فأشعر أن هذا المال أعاد لي أكثر مما أخذت الحياة مني 
لكني لم أستطع أن أنسى العجوز صاحبة العربة 
رجعت للسوق بعد شهر لأشكرها لأرد لها شيئا من الجميل لكن لم
يعرفها أحد 
سألت الباعة عنها فقالوا إنهم لم يروا امرأة بتلك المواصفات من قبل 
كأنها لم تكن موجودة أصلا 
عدت إلى البيت وفي صدري ألف سؤال بلا إجابة 
مر عام 
كنت أعمل من المنزل أتابع مرضاي عبر البريد الإلكتروني أطبخ وأضحك وأتعلم من جديد كيف تكون الحياة عادية بعد أن كانت حربا 
هاربر كبرت وصارت تمشي على قدميها الصغيرتين وإيثان صار أكثر اعتمادا على نفسه 
كان البيت مليئا بصوتها وهي تضحك بصوت الأواني وهي تغسل بصوت الموسيقى الخاڤتة وقت الغروب 
وفي يوم كنت أرتب ألعاب هاربر القديمة لاحظت السحاب الآخر في العربة 
لم أصدق أنني لم أره من قبل 
فتحته بحذر وقلبي يخفق كأنني على وشك اكتشاف سر جديد 
في الداخل وجدت صورة قديمة لزوجين شابين يحملان طفلا أمام نفس المأوى 
على ظهر الصورة كانت الكلمات باهتة بالكاد تقرأ 
نلنا المساعدة عندما احتجناها أكثر والآن جاء دورك 
أمسكت الصورة بيدي طويلا وكأنها مفتاح لغز ظل مغلقا كل هذا الوقت 
الزوجان لم أعرفهما لكنني شعرت بهما كأنني أعرفهما منذ زمن 
كانت وجوههما مطمئنة يبتسمان بثقة كأنهما يعلمان أن الخير لا ېموت فقط ينتقل من يد إلى أخرى 
جلست على الأرض أضم الصورة إلى صدري وبكيت 
ليس
حزنا بل امتنانا 
امتنان لأن الحياة رغم قسۏتها لم تنسني 
امتنان لأن الغرباء ما زالوا يعرفون كيف يضيئون طريق من لا يعرفهم 
في تلك الليلة حين نام الجميع كتبت رسالة صغيرة بخطي المرتبك ووضعتها في ظرف أبيض ومعها بعض النقود 
كتبت 
لو وصلت لك الرسالة دي فاعرف إنك مش لوحدك يمكن النهارده صعب بس بكرة ممكن يكون أسهل 
لو محتاج الفلوس خدها 
ولو تقدر مررها لحد تاني زي ما وصلت لك 
وفي صباح يوم الأحد أخذت العربة ووضعتها في نفس المكان الذي وجدتها فيه أول مرة نفس السوق نفس الزاوية بين صناديق الأسطوانات القديمة وأواني المطبخ 
ابتسمت وأنا أتركها شعرت أنني أودع صديقة عاشت معي كل شيء ثم قررت الرحيل بهدوء 
لم ألتفت فقط سرت للأمام وأنا أشعر أن شيئا بداخلي أصبح أخف 
بعد سنوات عندما صارت هاربر تكتب أولى كلماتها سألتني يوما 
ماما ليه
بنساعد الناس اللي مانعرفهمش
ابتسمت وأنا ألمس شعرها وقلت 
علشان في يوم من الأيام حد مانعرفوش ساعدنا من غير ما يسأل ليه 
كانت تنظر إلي ببراءة لا تفهم تماما لكني كنت أعلم أن الوقت سيجعلها تدرك 
لأن الدائرة مهما طال الزمن لابد أن تكتمل 
وفي كل مرة أرى شخصا يمد يده للآخر بابتسامة أتذكر أن تلك
العربة القديمة لم تكن مجرد قطعة حديد بل كانت معجزة على عجلات صغيرة

تم نسخ الرابط