لاحظت الزوجة في الأشهر الأخيرة تغيب زوجها
التي اشتعلت في قلبها لكنها لم تمنع الدموع من أن تتجمع في عينيها.
انتهى من إطعام العجوز وغسل يديها بالماء والصابون ثم رتب غطاءها بحنان وهمس لها
نامي دلوقتي يا أمي وربنا يقومك بالسلامة.
ابتسمت له العجوز برضا ورفعت يديها بالدعاء له قائلة
ربنا يعوضك خير يا ابني ويخليلك مراتك وعيالك.
خرج الزوج من الغرفة وجلس على الأريكة القديمة أشار لزوجته أن تجلس بجواره. جلست بصمت وعيناها مليئتان بالندم فقال لها بابتسامة باهتة
كنت فاكرة إني اتجوزت
أخفضت رأسها خجلا وقالت
سامحني ظنيتك خنتني وقلبي ما استحملش التغيير اللي شفته فيك.
تنهد وقال
والله ما ليا غيرك في الدنيا. الحكاية كلها بدأت يوم شفت العجوز دي قاعدة في الشارع تبكي. كانت في عز البرد ومعاها شنطة هدومها. صاحب البيت طردها لأنها ما قدرتش تدفع الإيجار 3 شهور. حاولت أتكلم معاه لكنه رفض يسمع. مقدرتش أسيبها
سكت لحظة ثم أكمل وهو يحدق بالأرض
بقيت أجي لها كل يوم بعد الشغل أطبخ لها وأغسلها وأنضف المكان وأروح متأخر عشان ما تحس بالوحدة. ما كنتش عايز أقولك علشان الخبيئة علشان ربنا بس اللي يعرف.
كانت دموع الزوجة تتساقط كالمطر تشعر بالذنب والخجل في آن واحد. اقتربت منه أمسكت بيده وقبلتها باكية
يا ريتني ما شكيت فيك لحظة إنت راجل من زمن طيب ربنا يكرمك.
ابتسم وهو يمسح دموعها وقال
لا تبكي اللي حصل طبيعي أي حد مكانك كان هيظن كده.
ثم صمت لحظة ونظر في الفراغ وقال بنبرة مؤثرة
كنت بشوف أمي فيها يمكن علشان فقدت أمي وأنا صغير حسيت إن ربنا بعتهالي علشان أجبر بخاطرها زي ما كنت أتمنى أعمل مع أمي.
بكت الزوجة بحرقة وهي تقول
ربنا جعلك سبب في سترها وستر بيتنا كمان.
اقتربت من الغرفة نظرت إلى العجوز وهي نائمة بوجهها الهادئ كطفلة
من النهارده مش هتكون لوحدك هاجي معاك كل يوم ونخدمها سوا.
ارتسمت ابتسامة امتنان على وجهه وقال لها
ورب الكعبة إنك أجمل نعمة في حياتي.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياتهما تماما. صار كل مساء موعدا للخير والرحمة تأتي الزوجة ومعها أولادها الثلاثة يحملون الطعام والحلوى ويجلسون جميعا مع العجوز يستمعون لحكاياتها القديمة ويملؤون بيتها الصغير بالضحك والدفء.
كانت العجوز تبكي أحيانا من شدة الامتنان وتقول
ربنا جعلكم أولادي بعد ما فقدت الكل كنت لوحدي وكنتم أنتم أهلي.
مرت الشهور وتدهورت صحة العجوز أكثر حتى جاء يوم لم تستيقظ فيه من نومها رحلت بسلام وعلى وجهها ابتسامة راضية وكأنها كانت على موعد مع رحمة الله التي طالما دعت بها.
دفنوها معا الزوج وزوجته وأولاده في مقابر قريبة من المسجد الذي كانت تحب الصلاة فيه وبعد الدفن وقف الزوج صامتا والدموع
هي دلوقتي في مكان أحسن يا حبيبي وربنا كاتب لك أجرها.
رد عليها بصوت مبحوح
مش هأنسى الدرس اللي علمتني إياه إن الخير مش لازم يتقال لكن بيعيش بعدنا واللي بيعمله لله عمره ما بيضيع.
منذ ذلك اليوم صار بيتهما أكثر دفئا وأكثر حبا ورحمة تعلمت الزوجة أن لا تحكم بالمظاهر وتعلم الزوج أن الصدق لا يحتاج قسم وأن أجمل ما في الحياة أن يعيش الإنسان للخير دون انتظار شكر من أحد.
وكان كلما جلس مع زوجته وأولاده ليلا يروي لهم القصة نفسها ليعلمهم أن الرحمة ليست مجرد شعور بل عمل وسلوك وأن الله يبارك في البيوت التي تبنى على الستر والنية الطيبة.
وهكذا انتهت قصة امرأة ظنت أن زوجها يخونها فاكتشفت أنه كان يخون تعب الحياة ليخدم إنسانة لا تملك أحدا في الدنيا
لتبقى تلك القصة شاهدا على أن الخير مازال في القلوب وأن الله
تمت.