قصة تهزّ القلوب في زمن عمر بن الخطاب.. أمّ أنكرت ولدها فردّه الله إليها بمعجزة!

لمحة نيوز

في السر من رجل غريب عن قبيلتنا وكان زواجا شرعيا لكن إخوتي لما علموا بذلك هددوني وتبرؤوا مني وقالوا إنني جلبت العار لهم. فاضطررت إلى إخفاء الأمر عن الناس وعشت وحيدة حتى أنجبت هذا الغلام. فلما كبر وأصبح الناس يسألون عنه خوفني إخوتي وقالوا إن لم تنكريه قتلناه فأنكرته وأنا أبكي في كل ليلة وأدعو الله أن يغفر لي. ولما جاءني اليوم يطلب الاعتراف منعوني من الحديث فأجبروني على الكذب أمام أمير المؤمنين.
امتلأ المجلس بالبكاء وانخفضت رؤوس الناس خجلا من سماع هذا الظلم العظيم. كان عمر يمسح دموعه بكمه وعلي يقف مطمئنا وقد ظهرت الحقيقة بفضل حكمته.
سكت عمر رضي الله عنه طويلا وكان وجهه يزداد تأثرا مع كل كلمة تخرج من فم المرأة العجوز. لم يكن ذلك عمر الفاروق القوي الصارم الذي يخشاه الناس بل كان في تلك اللحظة قلبا نابضا بالرحمة وعينين لا تستطيعان حبس الدموع. رفع بصره نحو علي رضي الله عنه وقال بصوت مبحوح تغلب عليه العبرة
رحمك الله يا أبا الحسن ما أعظم فطنتك وما أصدق بصيرتك! لقد أنقذت أما وابنها من نار الظلم وكشفت الحق حين غاب عن أعيننا.
ثم وقف عمر وقد غلبته مشاعره ودموعه تسيل على خديه وقال بصوت مهيب يسمعه كل من في المجلس
آه
يا عمر! لولا علي لهلك عمر لولا علي لهلك عمر!
عم الهدوء المكان وصار كل من في المجلس يبكي دون خجل فمنهم من يمسح دموعه بكمه ومنهم من يخفض رأسه خجلا من الله. كان الموقف أعظم من أن ينسى. أم كانت على وشك أن تلصق بها تهمة الكذب وابن كاد أن يسجن ظلما لولا حكمة الله التي أظهرها على يد علي بن أبي طالب.
اقترب عمر من المرأة ووضع يده على كتفها وقال برفق أبوي
يا أمة الله لقد اختبرك الله اختبارا عظيما فاصبري واحتسبي. وإن كان إخوتك قد ظلموك فالله أعدل الحاكمين ولن يضيع لك حقا أبدا. وقد أمرت أن يكرم شأنك بين الناس وتعاد لك مكانتك التي انتزعت ظلما.
ثم التفت إلى الغلام ووضع يده على رأسه وقال بصوت يغمره الحنان
اذهب بأمك يا بني فقد رد الله إليك أمك بعد أن فقدتها ظلما ورفع عنك الغم الذي كاد أن يخنق روحك وأنصفك بعدما أغلقت الأبواب في وجهك. هذه أمك فكن لها برا كما كنت في شكواك صادقا.
لم يتمالك الغلام نفسه فوقع على قدمي أمه يقبلهما والدموع تنهمر من عينيه وهو يقول
يا أمي غفر الله لك فقد كنت مضطرة وأنا اليوم أغفر لك من قلبي. لقد اشتقت إلى كلمة يا بني منك أكثر من اشتياقي إلى الدنيا وما فيها.
احتضنته الأم بقوة وكأنها تحاول أن
تعوضه عن كل سنوات الغياب. ارتج المكان بالبكاء وكل من حضر المشهد أحس أن رحمة الله تملأ القاعة كما تملأ قلوبهم. حتى الحراس الذين جاؤوا به إلى السجن كانوا يمسحون دموعهم من شدة التأثر.
خرج الغلام من مجلس عمر ويده في يد أمه والناس يفسحون لهما الطريق بوجوه دامعة وقلوب خاشعة. لم يكن أحد يجرؤ على الكلام فقد شعر الجميع أن ما رأوه ليس مجرد حكم بين متخاصمين بل آية من آيات عدل الله في أرضه.
وقف عمر في وسط المجلس يرفع يديه إلى السماء ودموعه لا تزال تترقرق في عينيه وقال بصوت خاشع يملأه الإيمان
اللهم اجعلنا من الذين يقيمون العدل في الأرض ولا يخافون فيك لومة لائم. اللهم احشرنا مع نبيك المصطفى وصحابته الكرام الذين جعلوا الحق ميزانا والرحمة منهجا والعدل طريقا.
سكنت القاعة بعد دعائه لكن القلوب ظلت تضج بخشوع لا يوصف. كان الناس يقولون لبعضهم وهم يغادرون
رحم الله عمر وعدله ورحم الله عليا وحكمته فقد أنقذا أما وولدا من ضياع أبدي وأعادا إلى الدنيا معنى العدالة والرحمة.
وفي تلك الليلة كان عمر يسير وحده في طرقات المدينة كما بدأ لكن هذه المرة لم يكن يفتش عن مظلوم أو محتاج بل كان يسير بقلب مفعم بالطمأنينة. نظر إلى السماء وقال
بصوت خافت يناجي ربه
الحمد لله الذي لم يخذلني وجعل في أمة محمد من يقيم العدل بعدله ويهدي بالحق كما يهدي النور في الظلام.
ثم سار مبتعدا يختفي صوته في أزقة المدينة والليل يلفه بظلامه لكنه كان ظلاما مليئا بالنور. نور العدالة التي لا تموت والرحمة التي تظل باقية ما دام في الأرض من يخاف الله.
العبرة من القصة
العدل لا يقام بالسلطان فقط بل بالقلوب التي تخاف الله وتعرف معنى الرحمة. وقد علمنا عمر وعلي رضي الله عنهما أن الحكم ليس مجرد قانون بل رسالة سماوية تنقذ بها الأرواح قبل الأجساد. إن الظلم قد يختبئ يوما لكنه لا يختفي أبدا لأن الله لا ينام والحق مهما تأخر فمصيره أن يعود لأصحابه.
من تأمل في هذه القصة أدرك أن الله سبحانه لا يضيع عباده المظلومين وأن الحق قد يغيب حينا لكنه لا يموت أبدا فالله وحده القادر على أن يظهره في الوقت الذي يشاء وعلى يد من يشاء. عمر رضي الله عنه كان يرى العدل أمانة في عنقه وعلي رضي الله عنه كان يرى الحكمة نورا من الله يهدي به الناس. ما أعظم أن يجتمع العدل والحكمة في قلبين يخافان الله وما أروع أن تكون القصاصات الصغيرة من التاريخ تذكيرا لنا أن كل دمعة ترفع إلى السماء تسمع وكل دعوة من قلب
مظلوم تجاب ولو بعد حين.

تم نسخ الرابط