قصة تهزّ القلوب في زمن عمر بن الخطاب.. أمّ أنكرت ولدها فردّه الله إليها بمعجزة!
في ليلة هادئة من ليالي المدينة المنورة حين كانت أزقة البلدة تغفو تحت ضوء القمر كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير وحده بين البيوت يحمل في يده عصاه وفي قلبه هم الرعية. لم يكن ينام كثيرا فقد كان يرى نفسه مسؤولا أمام الله عن كل جائع لم يأكل وكل مظلوم لم ينصف وكل دمعة لم تجد من يمسحها. كانت المدينة في سكون مطمئن لكن الأذن التي تعودت أن تسمع أنين الضعفاء لم تخطئ تلك الصرخة البعيدة التي مزقت هدوء الليل.
وقف عمر في مكانه وأنصت بكل جوارحه فإذا بصوت يخرج من أعماق قلب مجروح يقول بحرقة
يا أحكم الحاكمين يا الله احكم بيني وبين أمي!
تجمد عمر لحظة كأنما اخترق الدعاء قلبه قبل أذنه. أي وجع هذا الذي يجعل الابن يشتكي أمه إلى الله وأي ظلم دفع شابا في مقتبل العمر أن يرفع يديه للسماء بهذا الألم شد طرف عباءته واتجه نحو مصدر الصوت بخطوات حازمة وهو يتمتم اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه.
لم تمض إلا لحظات حتى رأى شابا يجلس عند زاوية الطريق رأسه بين كفيه ودموعه تنهمر على التراب. كانت ملامحه تدل على أنه في مقتبل العمر وجهه يشع طيبة لكن الحزن أثقل ملامحه حتى بدا وكأنه شيخ من كثرة ما حمل من هم. اقترب منه عمر بصوته الجهوري المعروف وقال
ويحك يا غلام! ما هذا الدعاء الذي سمعته منك أتشتكي أمك إلى الله بهذه الصورة أما وجدت في نفسك رحمة لها
رفع الشاب رأسه ببطء وعيناه غارقتان في الدموع وصوته متهدج
يا أمير المؤمنين والله ما دعوت عليها ظلما ولكنها ظلمتني وأنا ولدها. لقد حملتني في بطنها تسعة أشهر وأرضعتني حولين كاملين وكانت حنونة علي كحنان الطير على فراخه. فلما كبرت واشتد عودي وأنعم الله علي بالعقل والقوة أنكرتني وطردتني من بيتها وأقسمت أنها لا تعرفني! وقالت للناس هذا ليس ولدي!
تغيرت ملامح عمر وبدت عليه الدهشة.
قال بصوت متعجب أحقا تقول يا غلام كيف تنكر أم ولدها هذا أمر عجيب لم أسمع بمثله!
قال الغلام وهو يضع يده على صدره
نعم يا أمير المؤمنين والله يعلم أني صادق وما جئت إليك إلا لأطلب العدل بعدما أغلقت في وجهي كل الأبواب.
ظل عمر صامتا للحظة ينظر في وجه الغلام الذي يقطر صدقا ثم قال له
اجلس هنا حتى أرسل في طلبها فإن الحق لا يؤخذ إلا بعد سماع الطرفين.
أرسل عمر في طلب المرأة وبعد قليل جاءت تسعى وهي امرأة كبيرة في السن مهيبة الطلعة تبدو على وجهها علامات الوقار والعفة. وقفت أمام عمر وهي لا تعلم ما الأمر فقال لها عمر بصوت هادئ ولكنه حازم
يا أمة الله هذا الغلام يقول إنك أمه وإنك أنكرته أمام الناس وطردته من بيتك. فما تقولين في ذلك
رفعت المرأة يديها إلى صدرها وقالت بثقة وبصوت متماسك
والذي احتجب بالنور عن خلقه ما عرفت هذا الغلام قط ولا أنجبت ولدا في حياتي. إنه كاذب يريد أن يلحق بي العار ويشوه سمعتي بين قومي. وأنا امرأة عفيفة لم أتزوج قط!
نظر عمر إليها طويلا
هل لك شهود على ما تقولين
قالت نعم عندي إخوتي يشهدون أني لم أتزوج قط.
فأمر عمر بإحضار إخوتها فلما جاءوا وقفوا بين يديه وشهدوا جميعا أن أختهم لم تتزوج قط وأن الغلام كاذب. نظر عمر إلى الغلام فرآه يبكي بحرقة ثم قال للحراس
خذوا هذا الغلام إلى السجن حتى ننظر في أمره ونتحقق من قوله.
أمسك الحراس بالفتى وهو يرفع بصره إلى السماء ويقول بصوت متهدج تقشعر له الأبدان
يا رب أنت تعلم ما في قلبي وتعلم أني مظلوم فلا تتركني وحيدا يا أرحم الراحمين.
وفي طريقهم إلى السجن مر الحراس بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي كان يسير متفكرا في أمور الناس فلما رأى الغلام مقيدا والحزن يملأ وجهه قال للحراس
إلى أين تأخذون هذا الغلام
قالوا أمرنا أمير المؤمنين عمر أن نودعه السجن حتى ينظر في أمره.
تقدم الغلام بخطوات مرتعشة وصاح بصوت مبحوح
يا ابن عم رسول الله أنقذني فإني مظلوم! أمي أنكرتني وأمرت بالسجن دون أن يسمع أحد حجتي!
نظر علي في عيني الغلام نظرة فاحصة ثم قال بهدوء
يا بني إن للعيون بريقا لا يكذب وإن القلب ليدرك الصدق كما يدرك النور الظلام.
ثم التفت إلى الحراس وقال
ارجعوا به إلى عمر فليس في الإسلام رجل يحبس قبل أن يقام عليه الحق أو تسمع حجته.
عاد الحراس بالغلام إلى مجلس عمر فرفع عمر رأسه متعجبا وقال
ما أعادكم به ألم آمركم أن تأخذوه إلى السجن
قالوا يا أمير المؤمنين أمرنا علي بن أبي طالب أن نعيده إليك وقد قال
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة وقال
أصبتم والله لا يعصى لعلي أمر أبدا.
ثم دخل علي على عمر وقال
يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أقضي في هذا الأمر بما يرضي الله.
قال عمر تفضل يا أبا الحسن فالقضاء بين يديك.
التفت علي إلى المرأة وقال
يا أمة الله ألك شهود على أنك لم تنجبي هذا الغلام
قالت نعم هؤلاء إخوتي.
قال علي ادعوهم.
فجاءوا وشهدوا مجددا أن الغلام كاذب وأن أختهم لم تتزوج. ساد المجلس صمت عميق لم يسمع فيه سوى أنفاس الناس المتوترة وعلي ينظر إليهم نظرة الحكيم الذي يقرأ ما في القلوب قبل الألسنة.
ظل ساكتا برهة ثم رفع رأسه فجأة وقال بصوت قوي يسمعه الجميع
أيها الناس اشهدوا أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة بمهر قدره أربعمائة درهم أدفعها من مالي الخاص!
ضج المجلس بصوت واحد من الدهشة حتى إن عمر نفسه وقف متعجبا وقال
ما هذا يا علي أتزوج غلاما بامرأة تدعي أنها ليست أمه!
لكن المرأة لم تحتمل الموقف فصرخت صرخة مدوية وانهارت مغشيا عليها من شدة الصدمة وسقطت على الأرض بين النساء. هرعوا إليها وبعد لحظات أفاقت وهي تبكي وتشهق بشدة وقالت بصوت مرتعش
يا ابن عم رسول الله أتريد أن تزوجني من ولدي! إنه والله ابني! إنه ثمرة بطني! لقد أنكرته ظلما حين أجبرني إخوتي على ذلك!
ارتج المجلس بالبكاء وارتفعت الأصوات بالدعاء والتكبير. حتى عمر بن الخطاب وقف مذهولا وعيناه تدمعان. قالت المرأة وهي
لقد تزوجت