ستون عامًا على زواجهما وسرٌ لم يُكشف إلا في لحظات الوداع

لمحة نيوز

في أحد أحياء المدينة القديمة حيث تصطف المنازل الصغيرة جنبا إلى جنب كأنها تحكي حكايات عمرها عقود كان هناك بيت هادئ يميزه حديقة صغيرة تفوح منها رائحة الياسمين كل مساء. في هذا البيت عاش الزوجان أبو يوسف وأم يوسف حياة امتدت لأكثر من ستين عاما سنوات طويلة تشاركوا فيها كل شيء الفرح الحزن المرض والصحة وحتى الخبز اليابس إن قل الزاد.
كانا كروح واحدة في جسدين لا يملان الحديث ولا ينقطعان عن الضحك ولا يمر يوم إلا وقد جلسا معا لاحتساء الشاي بعد المغرب يتبادلان أطراف الحديث عن ذكريات شبابهم وعن أبنائهم الذين كبروا وتزوجوا وتركوا لهم البيت هادئا كما لم يكن من قبل.
لكن رغم كل هذا القرب ورغم أن قلبيهما كانا كتابين مفتوحين لبعض إلا أن أم يوسف كانت تحتفظ بسر صغير. سر لم تخبر به أحدا طوال ستة عقود صندوق خشبي قديم موضوع على رف مرتفع في غرفة نومهما عليه قطعة قماش مطرزة بألوان زاهية ونقوش تقليدية تدل على الذوق الرفيع للمرأة.
كانت دائما تقول له
أبو يوسف أوعي تفتح الصندوق ده ده حاجتي الخاصة وما تسألنيش عنه أبدا.
وكان يبتسم ويقول
لك ما شئت يا أم يوسف طول ما هو سرك يبقى له مكان في قلبي قبل مكانه في البيت.
ومرت السنوات لم يكن الصندوق أبدا موضع خلاف ولم يكن يثير فضوله كثيرا فقد اعتاد أن يحترم خصوصيتها. ومع الوقت أصبح مجرد قطعة ديكور في الغرفة مثل أي رف أو برواز قديم على الحائط.
لكن الزمن لا يرحم والمرض حين يدق الباب

لا يسأل عن عمر الحب.
في إحدى الليالي سقطت أم يوسف فجأة. ركض بها إلى المستشفى وهناك سمع الكلمة التي لا يتمناها أي زوج المرض وصل لمراحله الأخيرة بقي لها أيام معدودة.
كان الخبر كالصاعقة شعر بأن الأرض تدور به. عاد بها إلى البيت وهو لا يعلم كيف سيمر عليه يوم واحد دونها فكيف بسنين
جلس بجوارها يرعاها ليل نهار يمسك يدها يقرأ لها القرآن ويطبخ لها بنفسه رغم أنه لم يدخل المطبخ منذ زواجهما.
وفي أحد الأيام بينما كانت هي تغط في نوم عميق بدأ يجمع أشياءها ليضعها في صناديق الذكريات أراد أن يحتفظ برائحتها بثيابها بكل شيء لمسته يداها. وبينما كان يرتب خزانتها وقعت عيناه على الصندوق القديم لأول مرة منذ ستين عاما يحمله بيديه شعر بشيء غريب في قلبه كأن ذكريات العمر كلها نزلت عليه دفعة واحدة.
حمله بين ذراعيه وتوجه به إلى السرير حيث ترقد زوجته. فتحته عينها ابتسمت بصعوبة وقالت له بصوت خافت
دلوقتي تقدر تفتحه ماعدش فيه سر دلوقتي يا أبو يوسف.
قال لها مترددا
متأكدة طول عمري ما قربتش منه احترمت رغبتك.
أومأت برأسها وقالت
افتحه وشوف اللي فيه.
فتح الصندوق بيدين مرتجفتين وكأنه يفتح بابا على ماض لا يعرفه.
في الداخل وجدت دميتان صغيرتان من القماش مصنوعتان بإبرة الكروشيه بدقة ونعومة إلى جوارهما كيس مملوء بمبالغ مالية كبيرة بداخله حزمة دولارات مهترئة من كثرة ما طالها الزمن.
نظر إليها بدهشة وقال
إيه ده دميتين وفلوس! ده سرك الكبير!

ضحكت ابتسامة باهتة وقالت
أيوه هقولك على حكايته لما اتجوزنا كانت جدتي سيدة حكيمة جدا وقبل ما أتنقل لبيتك نادتني وقالتلي يا بنتي سر الزواج الناجح مش في الحب ولا في الفلوس السر الحقيقي إنك تعرفي تتجنبي المشاكل. وقالتلي نصيحة عمري ما نسيتها كل مرة تغضبي من جوزك ما تعمليش خناقة ولا تصرخي ولا تعاتبي بس خدي خيط وإبرة واعزلي نفسك واعملي دمية من القماش.
سكتت قليلا ثم أردفت وهي تمسح دمعة من عينها
ومن يومها كل مرة يضايقني فيها أبو يوسف أروح أعمل دمية. أشتغل عليها يوم واتنين وأخرج غضبي فيها ولما أخلص أكون نسيت السبب أصلا.
نظر إليها والدموع في عينيه قال بصوت متهدج
يعني ستين سنة وكلهم دميتين بس يعني أنا أغضبتك مرتين بس في العمر كله
هزت رأسها وقالت بهدوء
أيوه مرتين بس الباقي كنت دايما بتراعي ربنا في بتفهمني بتحتويني وده كان كفاية عشان ما أحتاجش أعمل دمى أكتر.
هنا لم يتمالك الرجل دموعه جلس بجوارها أمسك بيدها وقبلها وقال
وإيه عن الفلوس دي!
أجابت بهدوء مملوء بالفخر
دي تمن الدمى اللي كنت ببيعها لجاراتي وصديقاتي كنت أعملها بسر وكل شوية أبيعهم وأخبي الفلوس في الصندوق. ما كنتش عايزاهم علشان حاجة كنت بحب أحتفظ بيهم يمكن علشان أحس إن زعلي منك جاب نتيجة حتى لو كانت بسيطة.
ضحك رغم دموعه وقال
يعني حتى لما غضبتي كنتي بتكسبيني ده أنتي ست الستات يا أم يوسف.
مرت الأيام واشتد المرض على أم يوسف لكنها رحلت وهي تبتسم مطمئنة
أن زوجها فهم سرها أخيرا وفهم أنها كانت تحبه بصمت حتى في لحظات الغضب.
أما هو فظل باقيا في البيت يحتفظ بالدميتين كأغلى ذكرى ويضع الصندوق فوق المنضدة بجوار السرير
ويقول لكل من يزوره
عايز تعرف سر الزواج الناجح هو مش في الكلام هو في الصبر وفي الدمى!
في زمن أصبح فيه الخلاف ينشب لأتفه الأسباب وتنهار فيه العلاقات بسبب كلمة عابرة أو موقف عابر تأتي هذه القصة كرسالة خالدة من زمن الطهر والبساطة زمن كان فيه الحب لا يقاس بعدد الورود ولا بصور السفر بل يقاس بكم الصبر والسكينة والنية الصافية.
ستون عاما عاشاها معا لم تكن خالية من الاختلاف لكنها كانت مليئة بالاحترام.
لم يكن الرجل ملاكا ولا هي كانت خارقة لكن كليهما أدركا أن العلاقة لا تنجح إلا حين نخفي زعلنا داخل حناننا ونحول غضبنا إلى شيء جميل بدلا من أن نطلقه في وجه من نحب.
صندوق صغير دميتان ومبلغ من المال كانوا الشهود الصامتين على حكاية حب عظيمة لم تكتب في دواوين الشعر ولم تصور في الأفلام لكنها كانت واقعية دافئة نادرة.
العبرة ليست في عدد الدمى بل في الحكمة التي زرعتها الجدة منذ البداية
حين تغضبين لا تصرخي بل اصنعي شيئا جميلا.
وكم من القلوب كانت لتنجو لو بدلنا الغضب بالإبرة والعتاب بالصمت النبيل والتسرع بالصبر الجميل.
الحب- الحقيقي لا يحتاج إلى مظاهر
يحتاج فقط إلى قلبين يعرفان كيف يصغيان كيف يسامحان وكيف يخبئان الزعل في صندوق صغير لا يفتح إلا بعد العمر الطويل
حين لا يبقى في القلب سوى الذكرى الطيبة والرضا.

تم نسخ الرابط