بنت الخدامة

لمحة نيوز

الموضوع قديم وانتهى، ومش من حقها تطلعه في يوم فرحك.
آدم هز راسه بحزن.
الموضوع انتهى بالنسبة لكِ، لكن واضح إنه ما انتهيش بالنسبة لفاطمة. هي كانت شايلة سرّك، وإنتِ بدل ما تحترميها، أهنْتيها وأهنْتي بنتها.
سلوى رفعت صوتها
أنا أمك يا آدم! إنت هتقف مع واحدة غريبة ضدي؟!
آدم بص لها طويلًا، وقال
فاطمة مش غريبة. دي أم مراتي، والست اللي وقفت جنب أبويا وقت ما كان ممكن يخسر كل حاجة. وحتى لو ما كانتش عملت أي حاجة من دي، برضه ما كانش من حقك تهينيها أو تمدي إيدك على ليلى.
الكلمات كانت قاسية على سلوى، مش لأنها سمعت اتهامًا جديدًا، لكن لأنها لأول مرة تسمع ابنها يرفض تصرفاتها قدام الناس.
حاولت تستعيد سيطرتها على الموقف، فالتفتت للمعازيم وقالت
يا جماعة، واضح إن في سوء تفاهم، وكل واحد يرجع مكانه. دي مشاكل عائلية، ومش محتاجة كل الناس تعرفها.
لكن محدش اتحرك.
كل اللي كانوا موجودين شافوا الصفعة، وسمعوا الإهانة، وشافوا بعينيهم إن فاطمة ما حاولتش ترد الإساءة بإساءة، بل فضلت ساكتة لحد ما اضطرت تتكلم.
واحدة من قريبات سلوى قربت منها وقالت
يا سلوى، حتى لو الست كانت بتشتغل عندك، ده مش معناه إنك تهينيها. دي أم، وليها كرامة زيك بالضبط.
سلوى بصت لها بحدة
إنتِ كمان هتدخلي في الموضوع؟
لكن قريبتها ردت بهدوء
أنا مش بدخل في حاجة. أنا بقول إن اللي حصل غلط.
في الوقت ده، ليلى رفعت إيدها ومسحت دموعها، وبصت لآدم.
أنا محتاجة أسألك سؤال واحد، وعايزاك تجاوبني بصراحة.
آدم قرب منها وقال
اسألي يا ليلى.
قالت وهي بتحاول تثبت صوتها
لو ماما ما كانتش طلعت الورق ده، ولو ما كانش فيه سر يخص عيلتك، كنت هتوقف جنبّي لما أمك صفعتني؟ ولا كنت هتطلب مني أستحمل وأسكت عشان الفرح ما يبوظش؟
السؤال نزل على آدم أثقل من أي اتهام سمعه الليلة دي.
افتكر اللحظة اللي ليلى بصت له فيها بعد أول إهانة، وإزاي هو اختار إنه يطلب منها الصبر بدل ما يوقف أمه عند حدها.
نزل عينيه للأرض، وقال
أنا مش هكدب عليكي. في اللحظة دي أنا خفت من أمي، وخفت من الفضيحة، وخفت من كلام الناس. فطلبت منك إنتِ اللي تتحملي، مع إنك ما عملتيش أي حاجة غلط. وأنا آسف.
ليلى سكتت، فكمّل آدم
بس أنا عارف إن الاعتذار لوحده مش كفاية. أنا غلطت لما سبتك لوحدك، وغلطت لما افتكرت إن الحفاظ على شكل الفرح أهم من كرامتك. ومش هطلب منك تنسي اللي حصل لمجرد إننا اتجوزنا النهارده.
ليلى بصت له، وفي عينيها حزن كبير.
أنا مش عايزة راجل يحارب الدنيا كلها عشاني، يا آدم. أنا عايزة راجل ما يسيبنيش أواجه الإهانة لوحدي، خصوصًا لما الإهانة تيجي من أقرب الناس ليه.
آدم هز راسه وقال
عندك حق.
وبعدين التفت لأمه، وقال بوضوح سمعه كل الموجودين
يا ماما، ليلى مش هتعيش في بيت تكون فيه مضطرة تستحمل الإهانة عشان ترضينا. وأنا مش هقبل إنك تتعاملي معاها أو مع أمها بالشكل ده تاني.
سلوى شهقت، وكأنها ما صدقتش إن ابنها بيتكلم معاها بالطريقة دي.
يعني إنت هتسيب أمك عشان واحدة لسه متجوزها من ساعة؟!
رد آدم
أنا مش بسيبك، لكن مش هسمحلك تظلمي مراتي. في فرق كبير بين إني أبرّك وأحترمك، وبين إني أوافق على كل حاجة تعمليها حتى لو كانت غلط.
سلوى بصت حواليها، ولما ما لقتش حد بيدافع عنها، وجهت كلامها لفاطمة
إنتِ مبسوطة دلوقتي؟ قدرتي تبوّظي فرحة ابني وتخلّي كل الناس تبص لي بالطريقة دي!
فاطمة ردت بهدوء
أنا ما بوّظتش فرحة حد يا سلوى هانم. إنتِ اللي اخترتي تهيني بنتي قدام الناس. وأنا ما كنتش هتكلم عن الماضي لولا إنك وصلتي الأمور للدرجة دي. أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة أخد منك حاجة. أنا بس عايزة بنتي تعيش مرفوعة الراس.
ثم أضافت وهي تنظر في عينيها
وأنا مش هطلب منك تعتذري لي عشان خاطر الورق اللي في إيدي. أنا كنت هسامحك على اللي حصل زمان، حتى لو ما اعترفتيش بيه. لكن إهانتك لبنتي النهارده حاجة تانية. دي مش هقدر أعدّيها بكلمتين قدام الناس.
ليلى مسكت إيد أمها وقالت
إحنا هنمشي يا ماما.
آدم اتفاجئ.
ليلى، استني. إنتِ لسه عروسة، والليلة دي ليلتنا.
بصت له وقالت
الليلة دي كان المفروض تكون أجمل ليلة في حياتي. لكن أنا مش قادرة أكمل احتفال وسط ناس شافوا كرامتي وهي بتتهان، واللي كان المفروض يحميني طلب مني أسكت.
آدم حاول يقرب منها، لكنها رجعت خطوة.
أنا مش بقول إن كل حاجة انتهت بيننا، لكن أنا محتاجة وقت أفهم فيه أنا اتجوزت مين، وإنت محتاج وقت تفهم فيه إن الجواز مش مجرد إنك تحب واحدة. الجواز كمان إنك تتحمل مسؤولية إنك تحمي حقها وكرامتها.
ثم التفتت إلى أمها.
تعالي يا ماما.
لكن قبل ما يتحركوا ناحية الباب، حصلت حاجة ما كانتش سلوى متوقعاها.
دخل رجل في أواخر الخمسينيات من عمره إلى القاعة، وكان واضحًا إنه وصل متأخرًا. كان يرتدي بدلة رسمية، ويحمل حقيبة جلدية صغيرة، وأول ما شاف فاطمة وقف مكانه.
قال بدهشة
مدام فاطمة؟! حضرتك هنا؟
فاطمة بصت له، وبعد لحظة عرفته.
أستاذ سامح؟
كان سامح هو المحامي اللي تعامل مع جلال الشربيني في القضية القديمة، وهو نفسه اللي كتب الخطاب الموجود داخل الظرف.
آدم قرب منه بسرعة.
أستاذ سامح، حضرتك تعرف فاطمة؟
سامح بص لسلوى، ثم رجع نظره إلى آدم وقال
طبعًا أعرفها. دي الست اللي قدمت المستندات اللي ساعدت والدك يثبت إنه ما كانش مسؤول عن المعاملات اللي حصلت من غير علمه. والدك كان بيعتبر موقفها من أهم المواقف اللي حصلت في حياته.
سلوى قاطعته بعصبية
يا أستاذ سامح، الموضوع ده انتهى من سنين، ومش مناسب إنك تتكلم فيه هنا.
سامح رد بجدية
أنا ما جبتش سيرة الموضوع من نفسي يا مدام سلوى. لكن بما إن الأوراق ظهرت، فمن حقي أوضح إن المستندات دي كانت موجودة فعلًا، وإن والد آدم احتفظ بنسخ منها في ملف القضية.
آدم سأله
يعني الورق اللي مع فاطمة حقيقي؟
سامح نظر إلى الأوراق وقال
النسخ اللي شايفها هنا متوافقة مع المستندات اللي راجعناها وقتها. لكن لو في أي خلاف قانوني جديد، لازم تتراجع الأصول والملفات كاملة قبل ما حد يوجّه اتهامًا نهائيًا لأي شخص.
الجملة الأخيرة كانت مهمة، لأن سامح ما كانش عايز يحوّل ليلة الفرح إلى محاكمة، لكنه أكد إن فاطمة ما اخترعتش الحكاية من عندها.
ثم أضاف
والأهم من ده كله، إن والدك كان عارف قيمة الست دي. قبل وفاته، أوصاني إني لو قابلتها في أي وقت، أوصل لها رسالة منه.
فاطمة رفعت عينيها بدهشة.
رسالة من الأستاذ جلال؟
سامح فتح حقيبته وأخرج ظرفًا أبيض قديمًا، وقال
الرسالة دي كانت عندي من فترة طويلة، وكان المفروض أوصلها لكِ في وقت مناسب. ما كنتش أعرف إننا هنتقابل النهارده.
فاطمة أخدت الظرف بإيد مرتعشة، وفتحته ببطء.
كانت الرسالة قصيرة، مكتوبة بخط جلال الشربيني.
قرأتها بصوت خافت
إلى فاطمة، صاحبة الموقف النبيل
قد تمر الأيام وينسى الناس من وقف بجانبهم وقت الشدة، لكنني لن أنسى أمانتك، ولن أنسى أنكِ اخترتِ قول الحقيقة رغم خوفك على نفسك وعلى ابنتك.
إذا قرأتِ هذه الرسالة يومًا، فأرجو أن تعرفي أنني كنت أتمنى أن أرد لكِ جزءًا من جميلك، لكنني لم أرد أن أجرح كرامتك بعطاء لم تطلبيه.
أتمنى أن تكبر ليلى وهي فخورة بكِ، كما كنت أنا فخورًا بموقفك.
جلال الشربيني.
فاطمة ما قدرتش تكمل.
ضمت الرسالة إلى صدرها، ودموعها نزلت من غير صوت.
طول السنين اللي فاتت، كانت بتسأل نفسها أحيانًا إذا كان تعبها وخوفها وسكوتها يستحقوا كل اللي شافته من إهانة. لكن الرسالة دي فكرتها إن في شخص واحد على الأقل عرف الحقيقة، وقدّر موقفها، حتى لو ما قدرتش هي تشوف ده بعينيها وقتها.
ليلى حضنت أمها، وقالت
شايفة يا ماما؟ إنتِ طول عمرك غالية، حتى لو في ناس حاولوا يقنعوكي بالعكس.
أما سلوى، فكانت واقفة بعيد، وعينيها بتتحرك بين الرسالة والورقة وسامح، وكأنها بتحاول تلاقي مخرجًا من الموقف.
وفجأة، قالت بصوت منخفض
أنا ما كنتش أقصد إن الموضوع يوصل لكده.
آدم بص لها وقال
لكن الموضوع وصل لكده يا ماما. مش بسبب الورق، ولا بسبب الماضي. بسبب إنك اخترتي تهيني إنسانة قدام الناس، وبعدها مدّيتي إيدك على مراتي.
سلوى حاولت ترد، لكن الكلمات ما خرجتش.
بعد لحظات، التفتت إلى ليلى وقالت بلهجة مختلفة عن لهجتها قبل دقائق
أنا يمكن كنت قاسية معاكي.
ليلى ردت بهدوء
إنتِ ما كنتيش قاسية معايا بس. إنتِ أهنتِ أمي، وقللتي منها، وقلتي كلامًا يجرح أي إنسان. وأنا مش مستنية منك اعتذارًا عشان أثبت لنفسي إن أمي غالية. أنا عارفة
تم نسخ الرابط