بنت الخدامة
بدأ آدم يقرأ أول سطر في الورقة، لكن كل كلمة كان بيقراها كانت بتسحب الدم من وشه، لحد ما إيده ارتعشت والورقة وقعت منه على الأرض.
بص لأمه، سلوى هانم، وكأنه بيشوفها لأول مرة في حياته، وقال بصوت مخنوق
ماما الورقة دي بتقول إن فاطمة هي اللي أنقذت بابا من السجن؟! وإنك إنتِ اللي كنتِ مزورة توقيعه على عقود الشركة؟!
القاعة كلها اتقلبت همس وصوت، والمعازيم بقوا يبصوا لبعضهم بذهول.
سلوى حاولت تتمالك نفسها، وعدّلت وقفتها، وقالت بعصبية
إنت بتصدق الكلام الفاضي ده؟! دي ورقة قديمة وممكن أي حد يزوّرها! الست دي طول عمرها بتشتغل عندنا، وعمرها ما كانت غير خدامة في البيت!
فاطمة رفعت راسها وبصت لها بثبات.
أيوه، أنا كنت بشتغل في بيتكم، وعمري ما أنكرت ده. لكن اللي إنتِ نسيتيه يا سلوى هانم، إن اللي بيشتغل بإيده مش أقل من اللي بيقعد على كرسي غالي، وإن الأمانة مش بتتقاس بالفلوس ولا باسم العيلة.
وبعدين بصت لآدم وقالت
يا ابني، أنا مش عايزة أدمّر فرحتك، ولا أفضح حد لمجرد الفضيحة. لكن أمك هي اللي أجبرتني أتكلم النهارده، لما مدت إيدها على بنتي، وافتكرت إن سكوتي ضعف.
ليلى كانت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب حاجة.
بصت لأمها، وبعدين لآدم، وسألت بصوت مرتعش
ماما، إنتِ بتتكلمي عن إيه؟ إيه علاقة بابا آدم بالموضوع؟ وإيه اللي حصل زمان وإنتِ مخبياه عني كل السنين دي؟
فاطمة قربت منها، ومسكت إيديها بين إيديها، وقالت
هحكيلك كل حاجة يا بنتي، حتى لو الحقيقة هتوجعنا كلنا.
وبعدين بدأت تحكي.
من أكتر من عشرين سنة، كانت فاطمة شابة لسه في أول عمرها، وبتشتغل في بيت عيلة الشربيني. كانت مسؤولة عن شغل البيت، وكانت بتشوف كل حاجة بتحصل فيه، لكنها عمرها ما تدخلت في خصوصيات حد.
في الوقت ده، كان جلال الشربيني، والد آدم، راجل أعمال معروف، عنده شركة كبيرة، وكان بيعتبر فاطمة واحدة من الناس الأمينة اللي يقدر يعتمد عليها.
أما سلوى، فكانت ست بتحب المظاهر جدًا، وبتحاول دايمًا تظهر قدام الناس إن بيتها مفيهوش أي مشاكل، حتى لو الحقيقة كانت عكس كده تمامًا.
في يوم، رجعت فاطمة البيت بدري بعد ما خرجت تشتري طلبات، وسمعت صوت سلوى وهي بتتكلم في المكتب مع رجل غريب.
وقفت فاطمة عند الباب لما سمعت اسم جلال، وبعدها سمعت جملة خلتها تتجمد مكانها.
سلوى كانت بتقول
المهم إن جلال ما يعرفش إن التوقيع ده مش توقيعه. أول ما الصفقة تتم، الفلوس هتتحول للحساب اللي اتفقنا عليه، وبعدها محدش هيقدر يثبت حاجة.
الرجل رد عليها
بس لو اكتشف الموضوع، إنتِ عارفة إنك ممكن تخسري كل حاجة.
سلوى ضحكت وقالت
جلال بيثق فيّ ثقة عمياء، ومستحيل يشك في مراته.
فاطمة حست بالخوف، ورجعت لورا بهدوء قبل ما حد يشوفها.
في الأيام اللي بعدها، بدأت تلاحظ إن في حاجة غلط بتحصل فعلًا. أوراق بتدخل المكتب وتخرج منه، ومكالمات سرية، وخلافات بين جلال وبعض شركائه.
لكن فاطمة كانت خايفة تتكلم من غير دليل، خصوصًا إنها عارفة إن كلمة واحدة ممكن تخلّيها تخسر شغلها، وهي وقتها كانت حامل في ليلى، وجوزها مات قبل ما بنتها تشوف الدنيا، وما كانش عندها حد تعتمد عليه غير نفسها.
وفي ليلة، وهي بتنضف المكتب بعد ما الكل نام، لقت ملف واقع ورا خزانة خشبية.
فتحته علشان تعرف صاحبه، فاكتشفت إن فيه صورًا من عقود مالية، وتحويلات مشبوهة، ونسخًا من توقيعات جلال على معاملات هو ما كانش يعرف عنها حاجة.
فاطمة ما أخدتش أي فلوس، وما حاولتش تستفيد من اللي شافته. كل اللي عملته إنها احتفظت بنسخ من الأوراق اللي تثبت الحقيقة، وقررت إنها تسلّمها لجلال أول فرصة.
لكن قبل ما تعمل كده، سلوى اكتشفت إن فاطمة شافت حاجة.
استدعتها إلى غرفة الملابس، وقفلت الباب، وقالت لها ببرود
إنتِ شوفتي إيه في المكتب يا فاطمة؟
فاطمة حاولت تتماسك وقالت
ما شفتش حاجة يا هانم.
سلوى قربت منها وقالت
بصي لي كويس. أنا عارفة إنك دخلتي المكتب، وعارفة إنك لقيتي الملف. اسمعي الكلام ده كويس لو فتحتي بقك بكلمة واحدة، هخليكي تندمي على اليوم اللي اشتغلتي فيه هنا.
فاطمة ردت بخوف
أنا ما عملتش حاجة غلط، يا هانم.
سلوى ابتسمت ابتسامة باردة وقالت
مش مهم إنتِ عملتي إيه. المهم مين اللي الناس هتصدقه. أنا سلوى الشربيني، وإنتِ مين؟ مين هيقف جنبك لو قلت إنك سرقتي أوراق من المكتب؟
الكلام دخل قلب فاطمة زي السكين.
كانت عارفة إن سلوى تقدر تشوّه سمعتها، وإنها لو خسرت شغلها وقتها، مش هتلاقي حتى تمن علاجها ولا مصاريف ولادتها.
لكنها، رغم كل ده، ما سلّمتش الأوراق.
خبّتها في مكان آمن، واحتفظت بيها لليوم اللي تقدر فيه تتكلم من غير خوف.
وبعد فترة قصيرة، بدأت التحقيقات تحاصر الشركة بسبب معاملات مالية مشبوهة، وبقى اسم جلال مهددًا بالفضيحة.
سلوى كانت بتتصرف قدام الناس كأنها زوجة بريئة، لكن في الحقيقة كانت بتحاول تتخلص من كل دليل ممكن يربطها بالموضوع.
وفي اللحظة اللي جلال كان فيها على وشك اتخاذ قرار يدمّر مستقبله، فاطمة دخلت عليه بالمستندات.
قالت له وقتها
يا أستاذ جلال، أنا مش عايزة منكم حاجة، ولا عايزة أتهم حد من غير حق. بس الورق ده ممكن يثبت إن حضرتك اتظلمت.
جلال قرأ المستندات، وطلب من محاميه يراجعها فورًا.
وبالفعل، اكتشف المحامي إن في معاملات اتعملت من غير علم جلال، وإن التوقيعات الموجودة عليها فيها مخالفات تستحق التحقيق.
وبمساعدة المستندات وشهادات أخرى ظهرت بعد كده، قدر جلال يثبت إنه ما كانش على علم بجزء كبير من المعاملات دي، وتجنب اتهامًا كان ممكن يدمّر حياته المهنية.
لكن جلال ما فضحش سلوى وقتها.
كان عنده طفل صغير، آدم، وكان خايف إن فضيحة كبيرة داخل الأسرة تدمّر ابنه نفسيًا، فاختار إنه ينهي المشكلة بعيدًا عن الناس، ويبعد سلوى عن إدارة بعض الشؤون المالية للشركة، مع الاحتفاظ بالأوراق عند محاميه.
أما فاطمة، فطلبت منه طلبًا واحدًا.
قالت له
أنا مش عايزة فلوس ولا مكافأة. كل اللي عايزاه إن حضرتك ما تظلمنيش، وما تسمحش لحد يظلمني بسبب اللي عملته.
جلال وعدها إنه مش هينسى موقفها، وإنه لو احتاجت أي مساعدة في يوم من الأيام، هيلاقي لها حلًا يحفظ كرامتها.
لكن الأيام جرت، وفاطمة خرجت من بيت الشربيني فترة بعد ما زادت مضايقات سلوى لها، وبدأت تربي ليلى بعيدًا عن المشاكل.
ومع مرور السنين، كبرت ليلى، وكبر آدم، واتقابلوا من جديد، من غير ما تعرف ليلى إن في تاريخ قديم بيربط أمها بعيلة الشربيني.
ولما آدم حب ليلى وقرر يتجوزها، سلوى رفضت الجوازة من أول لحظة.
ما كانش رفضها بسبب ليلى نفسها، ولا بسبب أي عيب فيها، لكن لأنها كانت بتشوف في بنت فاطمة تذكيرًا دائمًا بالسر اللي حاولت تدفنه سنين طويلة.
وكانت خايفة إن قرب ليلى من آدم يفتح بابًا اتقفل من زمان.
عشان كده، كل ما آدم كان يتكلم عن ليلى، كانت سلوى تحاول تقلل منها، وتفكره بفارق المستوى المادي، وتقول له إن الجوازة دي مش مناسبة لعيلة الشربيني.
لكن آدم أصر، وفي النهاية وافقت سلوى، وهي بتخطط إنها تفرض سيطرتها على ليلى بعد الجواز، وتخليها تحس إنها أقل من كل اللي حواليها.
فاطمة خلصت حكايتها، والدموع على وشها.
ليلى كانت بتسمع وهي حاسة إن العالم كله بيتغير قدامها.
قالت لأمها
يعني إنتِ كنتِ عارفة إن سلوى هانم بتكرهك من زمان، وعشان كده كنتِ بتسكتي كل ما كانت بتعاملنا بطريقة وحشة؟
فاطمة هزت راسها.
كنت بخاف عليكي يا بنتي. كنت عايزاكي تعيشي حياتك من غير ما تشيلي ذنب مشاكل الكبار. ولما آدم حبك، قلت يمكن ربنا يكتبلك حياة أحسن من حياتي. ما كنتش عايزة أحرمك من فرحتك بسبب حاجة حصلت من سنين.
ليلى حضنت أمها بقوة، وانهارت في البكاء.
يا ماما، إنتِ عمرك ما كنتِ سبب عار ليا. إنتِ أشرف واحدة في الدنيا. أنا اللي زعلانة إنك شيلتي كل ده لوحدك، وإنك اضطرّيتي تخافي وإنتِ بتدافعي عن حقك.
في اللحظة دي، آدم انحنى وأخد الورقة من الأرض، وبدأ يراجع باقي المستندات اللي كانت جوه الظرف.
كان فيه إقرار قديم موقّع من جلال الشربيني، بيأكد فيه إنه تسلّم المستندات من فاطمة في تاريخ محدد، وإنها ساعدته في كشف معاملات مالية تمت من غير علمه.
وكان فيه خطاب من محامي الشركة، بيشرح فيه أهمية المستندات في التحقيقات اللي حصلت وقتها.
آدم رفع عينيه لأمه، وقال
إنتِ طول السنين دي كنتِ عارفة إن فاطمة هي اللي ساعدت بابا، وإنها أنقذت سمعتنا، ومع ذلك كنتِ بتعامليها بالطريقة دي؟!
سلوى ردت بسرعة
أنا ما كنتش أعرف إنها محتفظة بالأوراق دي! وبعدين