سر حروف (كهيعص) قصة وليٍّ سار إلى الله بلا زاد فسبقه قلبه إلى الجنة

لمحة نيوز

ثم جلس بجانبي، ومدّ كفّه نحو السماء وقال:
"اللهم يا مؤوي كل طريد، ويا مأمن كل خائف، ويا دفءَ كل مرتعد، أوِنا إليك!
نحن غرباء، بلا وطن ولا أهل ولا بيت، لكننا نرجو بيتك، ونشتاق لحماك".

ثم التفت إليّ وقال:
"يا مالك، ما أكثر الناس الذين يسكنون في بيوت من حجارة، وأسقف من خشب، لكنهم بلا مأوى!
أما من سكن الله قلبه، فهو في دفء لا يزول، وأمان لا يُغلب".

سكتُّ برهة وقلت:
"لكن البرد قارس، والوحدة تنهشني".

فأجاب:

"فاذكر المؤوي، فإنك إن ناديته من قلبٍ صادق، سترى كيف يُلبسك سكينةً لا تملكها كل الأغطية،
ويحتضنك بأمان لا توفره الجدران".

ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال:
"اللهم اجعل لنا في كل طريق مأوى،
وفي كل خوف سَكَن،
وفي كل تعب راحة،
وفي كل وحدة أنسًا بك".

وفي تلك الليلة، رغم أني كنت على الرمال، وبلا غطاء،
شعرت وكأنني نائم في حضن رحمة لا توصف،
وأيقنت أن "ياء" من "كهيعص" ليست مجرد حرف،
بل حضن رباني لا يُقارن.

حين بدأ الفجر ينسج خيوطه الأولى، وارتفعت الأصوات بالتكبير من بعيد، كنا نقترب من إحدى القوافل التي سبقتنا في الطريق.
وفي تلك اللحظة، سألته وأنا أسير خلفه:
"بقي حرف العين... ما سره؟"

فوقف، ونظر إليّ، وقال بهدوء لم أعهده من قبل:

"العين يا مالك، هو العالِم. يعلم ما في نفسك، وإن لم تُبدِه.
يعلم ما في قلبك، وإن كتمته.
يعلم ألمك، وإن ابتسمت.
يعلم خوفك، وإن تظاهرت بالشجاعة.
يعلم ما

لا تعلمه عن نفسك، وما ستفعله غدًا، وما تمنيته سرًا، وما كسر ظهرك دون أن تبوح به."

سكت برهة ثم قال:

"يا مالك، ما من عبدٍ انفطر قلبه في الصحراء، إلا وكان الله قد علم انكساره.
وما من دمعة نزلت في زاوية خفية، إلا وكان الله قد رأى أثرها في القلب قبل أن يراها في العين."

قلت له:
"وهل يكفيني أنه يعلم؟"

قال:

"نعم، إن كنت تحبه.
إذا علم الله ضعفك، أعانك.
وإذا علم حاجتك، كفاك.
وإذا علم صدقك، رفعك.
العالِم لا يُخدع، ولا يُغفل، ولا يُنسيه زحام الأكوان عبدٌ وحيدٌ في طريقٍ بعيد."

ثم نظر إليَّ وسألني:

"هل تعلم متى تكون في قمة الطمأنينة؟"

قلت:
"متى؟"

قال:

"حين تُوقن أن الله يعلم.
يعلم ما بك، وما تريد، وما لا تستطيع قوله.
وحين تعلم أنه لا يظلم أحدًا، وأن علمه عدل، ورحمة، وستر، وفضل."

ثم قصّ عليّ قصة عبدٍ كان يدعو الله سنين طويلة ولم يُجب، حتى جاءه الفرج في لحظة ظنّها بعيدة.
وقال لي:
"كان الله يعلم كل آهة، وكل دمعة، وكل انتظار، ولم يكن غافلًا، لكنه كان يختبر صدقه."

نظرت إليه وأنا أتنهد:

"اللهم إنك تعلم ما لا أُحسن قوله، فافعل بي ما تعلم أنه خير."

اقتربنا من الحرم، وبدأت الكعبة تلوح في الأفق، كأنها لؤلؤة في بحر من نور.
كانت أقدامنا متعبة، لكن قلوبنا تسبقنا شوقًا.

في تلك اللحظة، شعرت أن رحلتنا أوشكت على نهايتها، فسألته:
"بقي الحرف الأخير... ما معنى (صاد)؟"

ابتسم بعين دامعة،

وقال:

"هو الصادق...
وهل يُوعد عبدٌ من الصادق ويُخلف؟
وهل يُنادَى باسمه ويُرد؟
وهل يُتعلّق بوعده ويُخذل؟"

قلت:
"لكننا في حياتنا نرى من يدعو ولا يُستجاب له، ومن يعمل ولا يُجزى فورًا!"

فقال:

"لأننا نقيّم الصدق بزماننا، لا بزمنه،
ونظن الوفاء قريبًا كما نتخيّله نحن، لا كما يقدّره هو بحكمته.
الصادق وعد، وقال: (ادعوني أستجب لكم)...
وقال: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)...
وقال: (إن الله لا يضيع أجر المحسنين)...
فهل نكذّب وعده؟"

توقفنا في الطريق لحظة، ووضع كفّه على صدره وقال:

"يا مالك، إن الصدق مع الله لا يُقاس بعدد الركعات، ولا بكثرة الدموع، بل بثبات القلب...
إن صدقتَ، صدقك.
وإن أخلصتَ، نصرك.
وإن سلمت له، أنجاك."

ورفع بصره نحو السماء وقال:

"اللهم كما وعدتنا بلقاء، فحقق لنا الرجاء.
وكما وعدتنا بجنة، فلا تحرمنا من الرؤية والرضا."

في منى، كان الجمع كبيرًا، والهتاف بالتكبير يهزّ القلوب.
لكنّي وجدته بعيدًا، واقفًا وحده، يبكي بكاءً طويلًا.

دنوت منه وقلت:
"هل تبكي من الخوف؟"

فقال:

"أبكي من الشوق...
من انتظر وعد الصادق، هامت روحه قبل جسده.
أنا وعدته، وتعلقتُ بوعده، والآن جئت له بنفسي لا بقرابين.
الناس يذبحون أضحيتهم، وأنا أقدّم قلبي قربانًا."

ثم مدّ ذراعيه نحو السماء وقال:

"اللهم إنك الصادق، وقد وعدتنا أنك لا ترد من جاءك قلبه سليم.
فخذ قلبي إليك، وارضَ

عني، وارزقني لُقياك."

وإذا به يسقط على الأرض شهقته الأخيرة، كأنها نسمة خرجت لترتقي إلى الصادق الذي وعد، ووفى.

حين دفنتُه بيدي، بكيتُ كما لم أبكِ من قبل.
كنتُ أشعر أني أضع في التراب جسدًا من نور، وروحًا لا تعرف الفناء، واسمًا سيبقى في قلبي حتى ألقاه.

لم يكن يحمل زادًا، ولا راحلة، ولا مالًا، ولا كساءً فخمًا، لكني أقسم بالله أنه كان أغنى مني ومن كل القافلة.
كان يحمل يقينًا يتزود به كل خطوة، وكان يردد في سره "كهيعص" لا كحروف تُتلى، بل كأركانٍ للإيمان، وأعمدة للطمأنينة.

عدتُ إلى بيتي، لكن قلبي لم يعد كما كان.
تغير كل شيء في داخلي، لم أعد أرى الحياة كما أراها من قبل.
كل شيء أصبح صغيرًا أمام تلك اللحظة التي سلّم فيها روحه وهو يقول: "بلغتُ".

وقفتُ طويلًا بعدها أمام الكعبة، وقلت في نفسي:

"يا رب، إن كان هذا بيتك، فإني لا أريد فقط أن أراه، بل أن أصل إليك أنت، كما وصل هو.
لا أريد طوافًا بالأقدام، بل طوافًا بالروح.
لا أريد سعيًا بين الصفا والمروة، بل سعيًا بين الرضا والتسليم.
أريد أن أؤمن بـ(كاف) فأكتفي،
و(هاء) فأهتدي،
و(ياء) فآوي،
و(عين) فأعلم أنك تعلم،
و(صاد) فأصدق حتى ألقاك وأنت عني راض."

تذكرت قول صاحبي:

"من صحب كافياً وهادياً ومؤويًا وعالماً وصادقاً فلا يضيع."

فقلت في قلبي:

اللهم ارزقني صحبة هذه الحروف، لا في اللسان فقط، بل في القلب واليقين والعمل.
اللهم إنّا فقراء بلاك، ضائعون

إن لم تهدنا، هالكون إن لم تأوِنا، عميٌ إن لم تُعلمنا،
خاسرون إن لم تصدق معنا.
اللهم اجعلنا من أهل (كهيعص)، ممن هديتَ قلوبهم، وثبّتَّ أقدامهم، وأويتَ أرواحهم، واطلعتَ على صدقهم، فقبلتَهم كما قبلت عبدك الذي مات على الطريق، لكنه وصل.
اللهم لا تحرمنا من الوصول إليك، ولو لم يكن معنا زاد، ولا راحلة، ولا سوى قلبٍ يرجوك... وكلمة من خمسة حروف."

تم نسخ الرابط