سر حروف (كهيعص) قصة وليٍّ سار إلى الله بلا زاد فسبقه قلبه إلى الجنة

لمحة نيوز

في كتاب الله الكريم، لا تمرّ كلمةٌ عبثًا، ولا تُرسم الحروف اعتباطًا.
من بين الحروف المقطعة التي استُفتحت بها بعض سور القرآن، جاءت سورة مريم بهذه الخمسة العجيبة: (كهيعص).
حروفٌ خفيّة في ظاهرها، لكنها تفيض بالحكمة لمن تأملها، وتَشعّ أنوارًا لمن تدبرها، وتُفجّر من المعاني ما تُنير به قلوب العارفين.

كهيعص... خمسة أحرف، جمعت من صفات الله ما يُغني العبد عن الخلق، ويجعله متوكّلًا حق التوكل، مطمئنًا في قلبه، ثابتًا على طريقه، لا تهزّه المحن، ولا تضعفه الفتن.

في هذا السياق العميق، تأتي القصة التي نقلها الإمام مالك بن دينار – رضي الله عنه – حكايةً من الزمن القديم، لكنها تهزّ الأرواح حتى اللحظة.
حكاية وليٍّ من أولياء الله، خرج إلى الحج بلا زاد، ولا دابة، ولا مال، ولا رفيق، بل بحروفٍ خمسة جعلها زاده وراحِلته، وتوكّله ويقينه، ثم ختم الله له بخاتمة من أروع ما يُروى في سير الصالحين.

يقول الإمام مالك بن دينار رضي الله عنه:

خرجتُ حاجًّا إلى بيت الله الحرام، في عامٍ من الأعوام، عاقدًا العزم على السير، وقلبي يشتاق إلى الكعبة، وأذني تشتاق لنداء التلبية، وروحي تهيم في ذكر الله، فلعلّ هذا الموسم يكون لنا فيه تجديد توبة، ومحو ذنب، وتطهير قلب.

كنتُ أمشي في قافلة من الناس، كلٌ يحمل زاده، وراحلتَه، والمؤونة التي تعينه على السفر، فأما أنا فكنت أكتفي بالقليل، زهدًا لا عجزًا، واقتداءً لا مشقّة.

وفي الطريق، وبينما الشمس تُرسل لهيبها فوق الرمال، رأيتُ رجلًا يمشي وحده، بلا دابة تحمله، ولا متاع يحمله، لا جراب طعام، ولا قِربة ماء.
لم أَرَ

في عينيه خوفًا، ولا على وجهه تعبًا، بل رأيتُ سكينةً تُغشاه، وطمأنينةً تسكن في قسمات وجهه.

سلّمت عليه، فردّ السلام بصوت فيه وقار، ووجهه كأنّه خرج من محراب.
قلت له: "من أين أنت؟"
قال: "من عنده".

سكتُّ لحظة، ثم قلتُ: "وإلى أين تريد؟"
قال: "إلى بيته".

قلت: "وأين الزاد؟ الطريق طويل، والمفاوز عطشى، والصحراء لا ترحم".
فقال بهدوء:
"تزودت بخمسة أحرف، لا تنفد، ولا تنقص، ولا تحتاج إلى حمل على الظهر".

دهشتُ، وقلت: "خمسة أحرف؟ ما هي؟"
قال:
"كهيعص".

حين نطق الرجل بهذه الحروف، قالها بثقة من يعرف ما يقول، وطمأنينة من ذاق المعنى وتشرّبه، ثم التفت إليّ بعينين تغمرهما السكينة، وقال:

"يا مالك، أما (كاف)، فهو الكافي. وهل بعد الكفاية من حاجة؟ وهل يُفتقر مع الكافي؟"

سكتُّ، وأنا أراه يمشي حافي القدمين، لكن كأنه يسير فوق حرير.
لا يحمل جرابًا، ولا يمتلك درهمًا، ولا يصحب أحدًا، لكن وجهه كان أغنى من وجوه الأمراء.

قلت له: "حدّثني عن الكفاية؟ كيف تكفيك هذه الحروف عن الزاد والماء والرفقة؟"

ابتسم وقال:

"أتدري يا أخي، من توكّل على الله كفاه. الكاف في (كهيعص) تذكّرني في كل لحظة أن الله هو الكافي. يكفي من الجوع، يكفي من الخوف، يكفي من الوحدة.
لقد قرأتُ قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده؟)، فأيقنت أني لا أحتاج إلا إليه".

ثم سكت قليلًا، ونظر إلى الصحراء من حوله وقال:

"لو خرجت من بيتي أطلب الكعبة ومعي الطعام والشراب، لكن قلبي خاوٍ من الثقة بالكافي، فأي توكّلٍ هذا؟
أما وأنا خرجت متسلحًا باليقين، فالله يرسل لي من حيث لا أحتسب.
ألم تقرأ كيف سُقي

مَن كان قبلنا من السماء؟ وكيف أطعم الله مريم في المحراب؟
ألم تر كيف ألقى الله السلام على إبراهيم في النار؟ إن الله إذا كفى، أغناك عن كل خلقه".

مشينا أنا وهو ساعات طويلة، وكلما عطشتُ ناولني جرعة من يقينه.
وحين أعياه التعب، وضع رأسه على صخرة وقال: "أنا في ضيافة الكافي، فليهنأ قلبي".

وفي إحدى الليالي، كنا قد دخلنا واديًا ضيقًا، لا ماء فيه ولا بشر، وكنت أشعر بالجوع يُنهكني، فقلت له:
"يا هذا، أين الكفاية؟ لقد بلغ منا الجوع مبلغًا".

فنظر إليّ وقال:

"مالك، الكفاية ليست دائمًا طعامًا يُؤكل، ولا شرابًا يُشرب.
الكفاية أن يُطمئن الله قلبك وأنت جائع، ويُثبتك وأنت خائف.
والله، ما شعرت يومًا بجوعٍ يؤلمني، لأن الله يطعمني من معاني الأُنس به، ما لا تراه العيون ولا تقيسه الأوزان".

عندها، أجهشتُ بالبكاء، وقلت:
"يا رب، ارزقني هذا اليقين".

فقال الرجل:

"ومن صحب الكافي، لا يخشى فقرًا ولا ذلًا ولا ضعفًا.
الكافي، إذا معك، فمن عليك؟ وإذا فارقك، فمَن لك؟"

واصلنا السير، وكنت لا أُبصر في طريقي إلا هذا العارف الغريب، الذي كلما تكلم أحيا في قلبي يقينًا جديدًا.
في صباح اليوم التالي، بينما كنا نغادر منطقة جبلية، سألته: "حدثتني عن الكافي، فماذا عن الهاء؟"

فقال وهو يبتسم:
"أما (هاء)، فهي الهادي. وهل يهتدي مَن لم يهدِه الله؟"

ثم تنهد وقال:
"يا مالك، لو سار الناس ألف ميل بأقدامهم، فلن يصلوا ما لم يهدهم الله، وإن جلسوا في مكانهم وهدى الله قلوبهم، وصلوا قبل أن يخطوا خطوة."

قلت: "وكيف تعرف أن الله يهديك؟"

فأجاب:
"إذا أرشدك إلى طاعته،

وأبعدك عن معصيته، وألقى في قلبك حُبّه، وسهّل لك السبيل إليه، فاعلم أنك في معيته.
الهادي لا يترك من طرق بابه، ولا يُعرض عن من سأله بصدق."

ثم نظر إليّ وقال:
"أرأيتنا الآن في هذا الطريق؟ من ذا الذي دلّنا عليه؟ من الذي حفظ أقدامنا من الضياع؟
من الذي يضع في قلب عبدٍ أنه إن سار بصدق، فإنه لن يضيع؟ إنه الهادي."

وتابع:
"الهداية ليست أن تعرف الطريق فحسب، بل أن تُثبت عليه، وأن تُحبّ أن تمشي فيه، وأن تُوقن أنه يوصل.
وإن أعظم الهداية أن يهديك الله إليه، لا إلى مكان، ولا إلى زمان، بل إليه سبحانه."

ثم قال لي بنبرة مملوءة بالصدق:

"الهداية نوعان: هداية البيان، وهداية التوفيق.
فكل الخلق قد بُيّن لهم، لكن من وُفّق، هو من نجا.
واسأل الله دومًا أن لا يحرمك من هدايته، فإنك إن ضللت، ضللت عن نفسك قبل أن تضلّ عن الطريق."

وفي إحدى لحظات التعب، كدت أضل عن درب القافلة، فمسك يدي وقال:

"الهادي لا يضيع من اعتصم به، حتى وإن تاه عن الناس."

قلت له: "يا أخي، لقد أطلتُ السفر، فمتى نصل؟"

فقال:

"إذا هدانا الهادي، وصلنا وإن لم ندرِ الطريق.
وإذا حُرمنا هدايته، تاهت أقدامنا وإن كنا نملك الخريطة."

 

بعد أيام من السير في الطريق، كنا قد بلغنا مرحلة لم يعد فيها شيء من الزاد معنا، ولا حتى ظل يُؤنسنا.
في ذلك اليوم، شعرت بوحدة قاتلة.
كان الليل قد أرخى سدوله، وبرد الصحراء بدأ يتسلل إلى عظامي، فجلست على صخرة كبيرة أرتجف من البرد والخوف، فاقترب مني صاحبي وقال:
"مالك، لمَ وجهك حزين؟"

قلت:
"تعبت... اشتقت لبيتٍ يأويني، لوطنٍ أضع

رأسي فيه، لأحدٍ يقول لي: لا تخف".

نظر إليَّ طويلًا، ثم قال بصوت عميق:

"وهنا تأتي (ياء)... المؤوي.
من يأوي إلى الله، لا يضيع.
من احتمى به، لن يهزم.
من سكن إليه، لا يخاف من وحشة ولا برد".

تم نسخ الرابط