ابويا غسل
الخوف، لما عرفت معنى الشجاعة.
ولو لم تعرف الظلم، لما فهمت معنى العدل.
ولو لم تمر بالصمت، لما عرفت قيمة الكلمة.
وضعت يدها على قلبها، وقالت
أنا مش جاية أنسى أنا جاية أقول لك إني كملت.
ثم وقفت.
مسحت دمعة نزلت من عينها، واستدارت لتغادر.
خطت عدة خطوات
ثم توقفت.
نظرت إلى السماء.
وقالت
العدل مش دايمًا بييجي بسرعة
سكتت للحظة.
ثم أكملت
بس لما بييجي بييجي كامل.
ومضت في طريقها.
لم تكن تعرف أن ما فعلته في حياتها لن يتوقف عند حدود قصتها.
فبعد سنوات، كانت هناك نساء كثيرات سيأتين إلى ذلك المكان.
كل واحدة تحمل خوفًا مختلفًا.
كل واحدة تحمل جرحًا مختلفًا.
وكل واحدة تظن في البداية أن قصتها هي النهاية.
لكن سعاد كانت تستقبلها بالجملة نفسها
لسه بدري على النهاية.
كانت تجلس معهن.
تسمع.
تشرح.
وتساعدهن على أن يجدن طريقًا للخروج من الظلام.
لم تكن تعدهن بأن الحياة ستكون سهلة.
كانت تقول لهن الحقيقة
الحياة مش هتتغير في يوم وليلة لكن أول خطوة بتبدأ لما تصدقي إن من حقك تعيشي من غير خوف.
وهكذا، تحول المكان الصغير إلى مساحة جديدة للحياة.
كل امرأة تدخل إليه كانت تترك خلفها جزءًا من خوفها.
وكل واحدة تخرج منه كانت تحمل معها شيئًا جديدًا
الأمل.
أما سعاد نفسها، فلم تعد تنظر إلى الماضي باعتباره قبرًا.
أصبح بالنسبة لها شاهدًا.
شاهدًا على أنها نجت.
وأن الإنسان قد يُدفن تحت الظلم سنوات
لكن هذا لا يعني أن قصته انتهت.
لأن بعض الحقوق قد تتأخر.
وبعض الحقيقة قد تحتاج وقتًا حتى تظهر.
وبعض الجروح لا تلتئم بسرعة.
لكنها تلتئم عندما يتوقف صاحبها عن تصديق أنه يستحق الألم.
ولهذا، عندما سألتها إحدى الفتيات ذات يوم
إنتِ إزاي قدرتي تبدأي من جديد بعد كل اللي حصل؟
ابتسمت سعاد وقالت
لأني فهمت إن اللي حصل لي جزء من حكايتي لكنه مش كل حكايتي.
ثم نظرت إليها وأضافت
وأنتِ كمان اللي حصل لك مش هو نهايتك.
كانت تلك هي الحقيقة التي عاشت سعاد من أجلها.
أن الظلم قد يسلب الإنسان سنوات.
قد يسلب منه الأمان.
وقد يجعله يشك في نفسه.
لكن لا يجب أن يسرق منه بقية عمره.
ولهذا
لم تكن عودة سعاد إلى البلد هي نهاية الحكاية.
بل كانت بداية حكايات أخرى.
حكايات نساء قررن ألا يصمتن.
وحكايات بيوت انفتح فيها باب كان مغلقًا لسنوات.
وحكايات أشخاص ظنوا أن الماضي دفن كل شيء
ثم اكتشفوا أن الحقيقة لا تموت بسهولة.
فالنهاية؟
لا
دي مش نهاية.
دي حكاية كل إنسان اتظلم وسكت.
كل شخص خبّى وجعه حتى لا يراه أحد.
كل حق اتدفن تحت الخوف.
وكل كلمة ماتت قبل أن تُقال.
لأن بعض الأشياء قد تُدفن
لكنها لا تختفي.
تظل مستنية اللحظة اللي يرجع فيها الحق للنور.
وحينها
لا يعود السؤال
مين هيفتكر اللي حصل؟
بل يصبح السؤال
قد إيه من الناس كانوا محتاجين حد واحد بس يصدقهم؟