ابويا غسل

لمحة نيوز

إلى رفع صوتها حتى يشعر من أمامها بقوتها.
فقد أصبحت تعرف شيئًا لم تكن تعرفه من قبل
أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة عندما يتكلم، لكنه قد يخسر نفسه بالكامل إذا ظل صامتًا.
جلست سعاد في مكتبها، وفتحت دفترًا أمامها.
كان الدفتر مليئًا بأسماء نساء وفتيات مررن من هنا.
كل اسم خلفه حكاية.
واحدة تعرضت للظلم وسكتت.
وأخرى عاشت سنوات وهي تخاف من أهلها.
وثالثة صدقت أن ما يحدث لها ذنبها هي.
ورابعة لم تجد شخصًا واحدًا يقول لها
أنا مصدقك.
ولهذا قررت سعاد أن تكون هي ذلك الشخص.
لم تكن تحكي قصتها أمامهن لتثير شفقتهن.
كانت تحكيها حتى تعرف كل واحدة منهن أنها ليست وحدها.
كانت تقول دائمًا
أنا لا أطلب منك أن تكوني قوية من أول يوم أنا فقط أريدك ألا تستسلمي في اليوم الذي تكتشفين فيه أنك تستحقين حياة أفضل.
ومع مرور الوقت، بدأ اسم سعاد ينتشر في البلد.
لم تعد مجرد امرأة نجت من ماضيها.
أصبحت امرأة تساعد أخريات على الخروج من ماضيهن أيضًا.
وفي أحد الأيام، كان المكان هادئًا بشكل غير معتاد.
كانت سعاد ترتب بعض الأوراق عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
رفعت رأسها وقالت
اتفضلي.
دخلت فتاة صغيرة.
كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، ويداها ترتجفان.
جلست على الكرسي أمام سعاد، لكنها لم تستطع الكلام.
اقتربت منها سعاد قليلًا وقالت
خدي وقتك مش لازم تتكلمي بسرعة.
ظلت الفتاة صامتة لثوانٍ، ثم قالت بصوت مكسور
أنا خايفة أتكلم
سألتها سعاد بهدوء
من مين؟
خفضت الفتاة عينيها وقالت
لو عرفوا إني اتكلمت هيقتلوني.
ساد الصمت في الغرفة.
لكن سعاد لم تفزع، ولم تضغط عليها.
مدت يدها ببطء وأمسكت يد الفتاة.
ثم قالت
أنا كمان كنت خايفة.
رفعت الفتاة عينيها إليها.
أكملت سعاد
كنت بخاف من كل حاجة من الناس، ومن الكلام، ومن اللي ممكن يحصل لو قلت الحقيقة.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
بس عارفة إيه اللي اكتشفته بعدين؟
هزت الفتاة رأسها.
قالت سعاد
إن خوفي كان بيحميهم هم مش بيحميني أنا.
ظلت الفتاة تنظر إليها.
تابعت سعاد
أول ما اتكلمت، اكتشفت إن اللي كنت فاكرة إنهم أقوى مني مش أقوياء زي ما كنت متخيلة.
وضغطت على يدها وقالت
إنتِ مش مطالبة تحاربي العالم كله النهارده. خطوة واحدة بس وبعدها هنفكر في الخطوة اللي بعدها.
بكت الفتاة أكثر.
لكن هذه المرة لم تكن دموع خوف فقط.
كانت دموع شخص وجد أخيرًا مكانًا يستطيع فيه أن يتكلم.
اقتربت سعاد منها وقالت
اسمعيني كويس السكوت مش دايمًا أمان.
ثم أضافت
أحيانًا السكوت هو القبر الحقيقي.
لم تعرف الفتاة وقتها أن هذه الجملة لم تكن مجرد نصيحة.
كانت خلاصة حياة كاملة عاشتها سعاد.
وفي الجهة الأخرى من البلد
كان الحاج جابر يجلس وحيدًا فوق سريره.
مرت السنوات، وتغير كل شيء حوله.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
عقله كان لا يزال حاضرًا.
جسده لم يعد يساعده كما كان من قبل، وأصبح عاجزًا عن الحركة كما اعتاد.
لكن ذاكرته
كانت أقسى من أي عقاب.
كل ليلة، عندما يسكن البيت ويغلق الجميع أبواب غرفهم، كان الحاج جابر يستلقي في الظلام.
يحاول النوم.
لكن النوم كان يهرب منه.
كان يسمع الصوت نفسه.
صوت سعاد.
ليس صوتها كما كانت تتحدث أمام الناس
بل صوتها في آخر لحظاتها.
وكانت الجملة نفسها تعود إليه كل ليلة
كنت محتاجة حضنك مش قبر.
كان يغمض عينيه بقوة.
لكن الصوت لا يختفي.
كان يفتح عينيه وينظر إلى سقف الغرفة.
ثم تنزل دمعة ببطء من عينه.
لم يعد يستطيع الهرب من الماضي.
فالماضي لم يعد خلفه.
كان ينام معه.
ويستيقظ معه.
ويجلس بجواره في وحدته.
وفي بعض الليالي، كان يحاول أن يقنع نفسه أن ما حدث انتهى منذ سنوات.
لكن ضميره لم يسمح له بذلك.
كان يسأل نفسه
لو رجع الزمن كنت هعمل إيه؟
ثم لا يجد إجابة.
لأن بعض الأخطاء لا يمكن إصلاحها بالندم.
وفي مكان آخر
كانت فايزة تقضي أيامها خلف القضبان.
الوقت هناك كان بطيئًا.
الأيام متشابهة.
والجدران لا تتغير.
لكن الشيء الذي لم تستطع فايزة الهروب منه لم يكن السجن.
كان وجه سعاد.
كلما وقفت أمام المرآة، كانت تتجمد للحظات.
كانت ترى انعكاس وجهها
ثم يتغير المشهد في رأسها.
فتظهر أمامها صورة سعاد.
ليس وجهها الحقيقي.
بل صورتها وهي تخرج من تحت التراب.
كانت فايزة تحاول أن تصرخ، ثم تبتعد عن المرآة.
وفي بعض الليالي كانت تستيقظ مفزوعة وتقول
أنا ما كنتش عايزة تموت!
ثم تصمت.
لأنها كانت تعرف أن هذه الجملة لا تستطيع تغيير شيء.
لم يكن هناك أحد يرد عليها.
لا سعاد.
ولا الماضي.
ولا حتى صوت يمكن أن يعيد لها ما فقدته.
وبمرور الشهور، بدأت فايزة تفهم أن العقوبة ليست دائمًا في المكان الذي يُغلق عليك بابه.
أحيانًا تكون العقوبة الحقيقية أن تظل وحيدًا مع ذكرياتك.
أن تستيقظ كل صباح وأنت تعرف أن هناك أشياء تمنيت لو أنك لم تفعلها.
وأشخاصًا تمنيت لو أنك قلت لهم كلمة مختلفة.
لكن الوقت لا يعود.
ومرت سنة كاملة.
سنة تغيرت فيها أشياء كثيرة.
وسعاد لم تعد المرأة التي خرجت من تلك الحكاية مكسورة.
أصبحت أقوى.
لكنها لم تنسَ.
وفي أحد الأيام، عادت إلى البلد.
لم تخبر أحدًا كثيرًا عن سبب عودتها.
لم تكن تريد الاحتفال.
ولم تعد لتنتقم.
كانت عائدة من أجل مكان واحد فقط.
القبر القديم.
وقفت أمامه طويلًا.
لم تتحدث في البداية.
فقط نظرت إليه.
كان المكان هادئًا.
الهواء يحرك أطراف ملابسها، والأشجار من حولها تصدر صوتًا خفيفًا.
شعرت سعاد للحظة وكأن الزمن عاد إلى الوراء.
تذكرت الخوف.
وتذكرت الوحدة.
وتذكرت الأيام التي كانت تظن فيها أن حياتها انتهت.
ثم نظرت إلى القبر مرة أخرى.
وانحنت لتضع وردة فوقه.
قالت بصوت هادئ
هنا اتدفنت سعاد الضعيفة
سكتت قليلًا.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
لكن اللي خرجت من هنا كانت واحدة تانية خالص.
رفعت رأسها.
لم تكن تكره نفسها القديمة.
بالعكس
كانت تعرف أن تلك المرأة الضعيفة هي التي أوصلتها إلى هنا.
فلو لم تعش
تم نسخ الرابط