رجع بعد ٣٠ عام من الاختفاء

لمحة نيوز

في ظهيرة يوم هادئ من أيام شهر أغسطس عام 2021 وعلى أطراف قرية صغيرة تقع بين المرتفعات الرومانية توقفت سيارة مجهولة أمام منزل عائلة جورجوس. لم يكن الأمر غريبا في البداية فالقرويون اعتادوا على مرور السيارات من وقت لآخر لكن هذه المرة كان المشهد مختلفا تماما.
خرج من السيارة رجل مسن يبدو أنه في عقده التاسع ملابسه قديمة الطراز لكنها نظيفة نظراته شاردة خطواته بطيئة. ظل ينظر إلى المنزل وكأنه يعرفه أو كأنه كان ينتمي إليه يوما ما. اقترب بخطى مترددة وطرق الباب طرقا خفيفا.
فتحت زوجة ابنه الباب نظرت إليه في دهشة ثم صرخت
بابا!
صرختها كانت كافية لجذب باقي أفراد العائلة والذين ما إن رأوه حتى أصابتهم الدهشة الممزوجة بالصدمة والخوف.
هل يعقل! هل هذا فعلا فاسيلي جورجوس الرجل الذي اختفى منذ ثلاثين عاما!
الغريب أنه كان يرتدي نفس الملابس التي اختفى بها في عام 1991 نفس القميص نفس البنطال حتى حذاؤه البني القديم الذي اعتقد الجميع أنه تلف منذ عقود كان لا يزال في قدميه.
فاسيلي جورجوس راع بسيط في منتصف الستينات من عمره آنذاك كان يعيش حياة هادئة مع زوجته وأبنائه الأربعة في قرية صغيرة تقع شمال رومانيا. كان يعرف بحبه للعمل والانضباط لا يختلط كثيرا بأهل القرية لكنه لم يكن منعزلا كذلك.
في أحد أيام شهر يونيو عام 1991 استيقظ باكرا ودخل المنزل

ليخبر زوجته
سأذهب لشراء بعض المعدات من المدينة وسأعود بعد يومين على الأكثر.
لم يكن في حديثه أي شيء غريب لكنه أصر على أن يذهب وحده ورفض أن يصطحبه أحد أبنائه. اشترى تذكرة قطار من أقرب محطة وتوجه إلى وجهته التي لم يصلها أبدا.
مر يوم ثم يومان ثم أسبوع ولم يعد فاسيلي.
بحثت عنه العائلة أبلغت الشرطة تم فحص المستشفيات ثم توسعت عمليات البحث لتشمل الغابات المحيطة بالمنطقة.
ولكن لا أثر. كأن الأرض قد ابتلعته.
لم يكن اختفاء فاسيلي أمرا اعتياديا في القرية. فالرجل معروف بارتباطه الشديد بأسرته ولا يعقل أن يترك أبناءه بدون سبب. الشرطة فتحت تحقيقا واسعا شمل
استجواب كل من تواصل معه مؤخرا
تفتيش عربات القطار التي كان من المفترض أن يستقلها
فحص الطرق البرية بحثا عن أي حادث محتمل
مراجعة سجلات المستشفيات والطب الشرعي وحتى المراكز العقلية
لكن كل الطرق كانت مسدودة. لا شهود. لا دليل. لا جثة.
ثم بدأت الشائعات
بعضهم قال إنه تعرض لحادث واختطف.
آخرون قالوا إنه قتل على يد لصوص وسرقت جثته.
البعض ذهب أبعد من ذلك وتحدث عن مؤامرات سياسية!
لكن لا شيء كان مؤكدا وكل التفسيرات كانت تقف عند جدار الغموض.
بعد مضي أكثر من عامين على اختفائه فقدت العائلة الأمل في عودته.
أعلنت وفاته رسميا رغم عدم العثور على جثمانه وأقيمت له جنازة رمزية حضرها كل أهل القرية.

زوجته التي كانت منهارة تماما بكت أياما وليالي وارتدت الأسود واعتبرت نفسها أرملة.
أطفاله نشأوا على ذكرى رجل طيب اختفى بدون وداع.
لكن في أعماقهم ظل هناك صوت خافت يقول ربما يعود يوما.
بعد ثلاثين عاما لم يكن أحد يتوقع أن يفتح هذا الملف من جديد.
عندما رأته عائلته على باب المنزل لم يستطيعوا كبح مشاعرهم. اختلطت دموع الفرح بدموع الذهول لكنهم لاحظوا سريعا أن الرجل لا يتذكر شيئا!
من أنتم
فاسيلي! إحنا أولادك!
أولادي أنا ما عنديش أولاد أنا كنت في البيت. أنا دايما كنت في البيت!
كان يردد هذه الجملة مرارا كنت في البيت.
كأنه يعتقد أنه لم يختف أبدا. كأنه يعتبر الثلاثين عاما مجرد لحظة غياب.
حين توقفت السيارة المجهولة أمام منزل عائلة جورجوس لم يكن بها أي ملامح مميزة.
لا رقم معروف لا طلاء لافت ولا حتى سائق نزل للسلام أو التوضيح.
مجرد مركبة مجهولة توقفت بلحظة وخرج منها العجوز فاسيلي ثم اختفت كأنها لم تكن!
الدهشة لم تكن في ظهور فاسيلي فقط بل في السيارة نفسها من الذي أوصله ولماذا لم ينتظر لحظة واحدة لماذا لم يتحدث أحد
لم يستطع أحد من الجيران تذكر أوصاف السائق رغم أن بعضهم قال إنه كان هناك ظل في المقعد الأمامي ربما لرجل أو لامرأة لا أحد يستطيع الجزم.
السيارة كانت المفصل بين عالمين
العالم الذي اعتقد فيه الجميع أن فاسيلي قد مات
والعالم
الجديد الذي عاد فيه فجأة بصمت وبدون ذاكرة
عندما بدأت عائلته في سؤاله لم يكن هناك رد واضح.
أسماء أبنائه لا يتذكرها
زوجته لا يتعرف على ملامحها
المنزل لا يشعر تجاهه بأي انتماء
حتى اسمه لا يبدو مألوفا له
هل تتذكر أين كنت طوال هذه السنوات
لا. كنت في البيت. دايما في البيت.
كان يكرر نفس الجملة وكأنه مؤمن بها وكأن الثلاثين سنة كانت لحظة واحدة في عقله.
كان يتحدث بهدوء مريب لا يرتبك لا يتوتر لكن في عينيه فراغ قاتل.
لا خوف لا حنين لا ندم فقط لا شيء.
في لحظة دخوله لاحظ الجميع شيئا أغرب
نفس الملابس التي ارتداها يوم اختفائه عام 1991.
قميصه القديم الذي كانت ألوانه قد بهتت لكنه لا يزال سليما
بنطاله الذي خاطته له زوجته بيديها
الحذاء الجلدي المهترئ قليلا لكن نظيف!
ما السر في أن تبقى الملابس نفسها على حالها بعد 30 عاما
كيف حافظ عليها بهذه الحالة هل كان أحد يعتني به
الأغرب أن جيوبه احتوت على
بطاقته الشخصية الأصلية التي استخرجت في أواخر الثمانينات
تذكرة القطار التي اشتراها يوم اختفائه سليمة تماما عليها ختم المحطة
قطعة خبز ملفوفة في ورق جرائد مؤرخة بيوم اختفائه!
وكأن الزمن توقف معه أو توقف عنه.
بعد انتشار الخبر في وسائل الإعلام الرومانية بدأ الناس في تقديم فرضيات.
لم يكن هناك تفسير علمي مرض لذا خرجت عدة نظريات بعضها منطقي وبعضها
أشبه بالخيال
1. فقدان الذاكرة النفسي
قال أطباء نفسيون إنه ربما تعرض لصدمة
تم نسخ الرابط