البدروم... مشيره محمد

لمحة نيوز

 

​صوت الباب الرئيسي بتاع البيت بيتقفل بقوة!

​صوت خطوات جزية رجالي ثقيلة بتدب في الصالة. طارق رجع! طارق جه بدري من الشغل!

​جسمي اتجمد. سمعت صوته فوق ينادي بصوت عالي: "يا بنات؟ شيرين؟ أنتم فين؟"

​بعدها ثواني.. وسمعت صوت نور البنت الصغيرة بتقول براءة: "بابا! طنط شيرين فتحت باب البدروم بنسة الشعر ونزلت تشوف ماما!"

​الهدوء ساد البيت تماماً فوق لمدة 5 ثواني.. 5 ثواني كانوا أطول من عمري كله.

​وبعدين.. سمعت صوت خطوات طارق السريعة جداً والقاسية جاية ناحية باب البدروم!

​"شيرين؟" صوته ما كانش طارق الهادي الوديع اللي أعرفه. كان صوت حد تاني خالص.. صوت واحد مكتوم، حاد، ومتحول.

​سمعت دبة رجله على أول درجة في السلم الخشب.

​أنا اتسرعت في الأوضة، ودورت على أي مكان أستخبى فيه. ما كانش في غير الملايات الملتفة حوالين الصناديق الكبيرة في زاوية البدروم. جريت واستخبيت ورا صندوق خشب ضخم، وتنيت ركبتي وغطيت بقي بإيدي الاتنين عشان حتى صوت نفسي ما يطلعش.

​الضوء الصغير على السلم كشف خياله وهو نازل. طارق كان نازل، وفي إيده المطرقة الحديد اللي بيصلح بيها الحاجات في الجنينة.

​"شيرين؟ انتي نزلتِ هنا ليه يا شيرين؟" صوته كان بيهمس، بس الهمس كان بيرن في جدران البدروم. "أنا مش قلت لك الباب ده مقفول؟ مش قلت لك المكان هنا مش أمان؟"

​وقف في نص البدروم، وضوء التلفزيونات الأزرق كان عكس على وشه. شكله كان يخوف.. عينيه كانت حمرة، ووشه خالِ من أي تعبير إنساني.

​كُمِل وهو بيقرب من الستارة السودا: "انتي فاكرة إنك قادرة تاخدي مكانها؟ فاكرة لما أتجوزك هنسى مها؟ لا يا شيرين.. انتي كنتي مجرد وسيلة. وسيلة عشان البنات يلاقوا حد يرعاهم ويملا البيت حركة.. عشان أنا أفضى لـ 'مها'!"روايات_مشيره_محمد

​الكلمات نزلت عليا زي المية الساقعة. الجوازة كلها كانت ملعوبة! طارق ما حبتنيش.. طارق اتجوزني عشان أكون خدامة ومربية لبناته، بينما هو عايش مع هوسه بالست الميتة!

​مسك المطرقة بإيده وصوت خبط الحديد على كف إيده التانية كان بيعمل صوت يرعب: "خرجتِ من الفضول ليه؟ كان ممكن نعيش في هدوء.. كان ممكن تفضلي فوق وما تدخليش في اللي مالكيش فيه."

​قرب من المكان اللي أنا مستخبية فيه. أنا كنت سامعة صوت ضربات قلبي بتخبط في قفصي الصدري، ودموعي نازلة مغرقة وشي. بنسة الشعر التانية كانت في جيبي، مسكتها وضغطت عليها في إيدي لدرجة إن السن الحديد جرح كفي.

​فجأة، تلفوني اللي في الجيب التاني بدأ يهتز!

​صوت الفايبرة في الهدوء القاتل كان زي صوت الإنذار!

​طارق لف رقبته بسرعة ناحية الصندوق اللي أنا وراه. ابتسامة بطيئة ومرعبة اترسمت على وشه: "أهين.. انتي هنا يا شيرين."

​مد إيده وسحب الملاية اللي تغطيني بضربة واحدة!

​أنا صرخت بأعلى صوت عندي: "طاااارق لا! حاسب يا طارق انت مريض! ابعد عني!"

​طارق رفع المطرقة فوق دماغه وعينيه زي المجنون: "انتي شفتي كتير أوي يا شيرين.. مش هسمح لك تخربي البيت اللي بنيته!"

​في لحظة الذعر دي، وبطريقة تلقائية، ضربت رجلي بكامل قوتي في ركبته! طارق اتكعبل وصرخ من الوجع ووقع لورا، والمطرقة طارت من إيده وخبطت في الأرض.

​ما فكرتش ثانية! قمت أدربك وأجري ناحية السلم! طارق مسك في رجلي من تحت، وشدني. وقعت على وشي على التراب، والألم أكل ركبتي. لفيت بسرعة وضربته بالبنسة الحديد اللي في إيدي في وشه بكل قوتي! البنسة جرحت خده، فصرخ وساب رجلي وهو ماسك وشه اللي ينزف.

​قمت وقفت، وجريت على السلم الخشب وأنا بلهث وبصرخ: "نور! فريدة! اطلعوا برة البيت!"

​طلعت من البدروم وسحبت الباب الخشب الثقيل وقفلته في وشه، ورزعت الترباس!

​سمعت طارق بيخبط على الباب من جوة بكل قوته وبيصرخ: "افتحي يا شيرين! مش هتعرفي تهربي! افتحي!"

​جريت على الصالة، لقيت البنات واقفين خايفين ودموعهم على خدهم. مسكت إيد نور وإيد فريدة، وفتحت باب البيت الرئيسي وخرجت أجري في الشارع وأنا بحفية ومن غير جزمتي، والبنات بيبكوا ورايا.

​الجيران في الشارع اتجمعوا لما شافوني بأصرخ وبجري بالبنات في حالة هستيرية. البواب والستات جوم يجروا علينا، وأنا وقعت على الأرض وأنا بصرخ: "اتصلوا بالشرطة! اتصلوا بالشرطة جوزري حبس نفسه في البدروم ومجنون!"

​خمس دقايق وكانت عربية الشرطة واصلة. الظابط دخل البيت مع العساكر، وأنا كنت قاعدة على الرصيف برة حاضنة نور وفريدة اللي كانوا بيرتعشوا.روايات_مشيره_محمد

​بعد نص ساعة، الشرطة طلعت طارق من البدروم وهو متكلبش بالحديد. كان ساكت خالص، بيبص للأرض وما بينطقش بكلمة، كأنه روح ماشية من غير جسد. والظابط طلع معاه اكياس فيها التسجيلات والشاشات اللي كانت تحت.

​الظابط قرب مني وقال لي بنبرة جادة: "الحمد لله على سلامتك يا مدام. المتهم طلع عنده اضطراب نفسي حاد وهيستريا الصدمة من وقت وفاة مراته الأولى.. المكان تحت كان عبارة عن حاجة زي المصحة الشخصية أو الهوس المريض. وكان محتجز البنات في بيئة غير صحية تماماً."

​بعد اليوم ده.. أنا طلبت الطلاق فوراً وأخدت حقوقي بالقانون. وبمساعدة أهل مها (أم البنات) اللي ما كانوش يعرفوا حاجة عن اللي بيحصل جوة البيت بسبب إن طارق كان قاطع علاقته بيهم، قدروا ياخدوا حضانة نور وفريدة عشان يتربوا في بيئة سوية ويتعالجوا نفسياً من الآثار اللي شافوها.روايات_مشيره_محمد

​أنا دلوقتي عايشة في بيتي مع أهلي، كل ما أفتكر اليوم ده، بحمد ربنا إني فتحت الباب ده.. عشان أنقذ نفسي وأنقذ طفلتين ملهمش ذنب من سجن راجل كان عايش مع الأشباح.

تمت... مشيره محمد هم

تم نسخ الرابط