البدروم... مشيره محمد

لمحة نيوز

روايات مشيره محمد 

أنا وقفت قدام الباب المشروخ ده، وريحة العفن والتراب مع حاجة تانية مش قادرة أحددها خبطت في وشي كأنها كف حامي. ريحة تدوّخ، عاملة زي ريحة قماش مبلول ركن في مكان مكتوم للسنين، على ريحة صدى حديد، على حاجة زنخة تانية خليت زوري يربط ومناخيري تحرقني.

​نور كانت واقفة جنبي ماسكة في طرف جيبتي، وبتبص للخرم اللي جوة الضلمة بابتسامة بريئة مرعبة.. ابتسامة طفلة مستنية مفاجأة، ومش فاهمة خالص الخوف اللي بيقطّع في شراييني. فريدة اختها الصغيرة كانت واقفة على آخر درجات السلم من فوق، صباعها في بقها وبتبصلي بعيون واسعة ساكتة.

​"نور.. حبيبتي.." صوتي طلع مكسور، بيهتز زي الورقة الشجر في الهواء. "هي.. هي ماما تحت؟"

​نور هزت رأسها بالظبط بطفولية: "أيوة يا طنط! بابا كل يوم بالليل لما ننام بيدخل يقعد معاها تحت. بس هو بيقفل الباب عشان ماما ما تطلعش وتزعلنا.. بس هي طيبة والله وبتحب الاستماية!"

​رجلي اتسمرت في الأرض. كأن حد صب خرسانة على جسمي. طارق؟ طارق جوزي اللي بقالي سنة معاه؟ اللي بيصحى كل يوم الصبح يتبسّم في وشي ويعملي القهوة ويقولي 'صباح الخير يا حبيبتي'؟ طارق الهادي الطيب اللي دموعه نزلت قدامي وهو بيحكيلي عن حادثة مراته المتوفية من أربع سنين؟

​قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة بدقاته في زوري. الشك دخل عقلي زي السم. هل طارق مجنون؟ هل دافن جثة مراته تحت في البدروم طول السنين دي؟ ولا الموضيع ألعن من كده؟

​سحبت نفس بالعافية، ومسكت البنسة اللي فكيت بيها الترباس في إيدي المعرّقة، ومديت إيدي التانية على مفتاح النور اللي جنب الباب على الحيطة. وضغطت عليه.

​اللمبة الصفرة الضعيفة اللي في السقف اشتغلت، وكانت بتترعش كأنها بتموت. الضوء كان باهت، بس كشفلي السلم الخشب القديم نازل لغياهب الضلمة تحت. الدَرَج كان عليه طبقة سميكة من التراب، بس الغريبة.. إن التراب ده كان فيه آثار خطوات! خطوات رايحة وجاية.

​"نور، خدي اختك وانزلوا العبوا في الصالة فوق.. أوعدك هشوف ماما وأجيلكم فوراً." حاول أبان متماسكة، بس نبرة الهلع كانت واضحة.

​نور بصلتي بقلة حيلة وقالت: "ما تتأخريش يا طنط.. عشان ماما تطلع تلعب معانا."

​مشوا البنات، وصوت خطواتهم الصغيرة على الخشب كان بيهرب أسرع، وأنا فضلت واقفة لوحدي قدام الفتحة اللي بتطلع ريحة الموت والعفن. خدت نفس، ونزلت أول درجة.

​السلم الخشب كان بيزيّق تحت رجلي بصوت عالي جداً في الهدوء القاتل بتاع البيت. كل خطوة كان قلبي بيقع فيها في رجلي. الريحة كانت بتزيد تقْل، ريحة كتمة ورطوبة لا تطاق. لما وصلت لآخر درجة، لقيت المكان عبارة عن بدروم كبير جداً تحت البيت كلياً، مليان صناديق كرتون قديمة، وعفش متغطي بملايات بيضا كأنها جثث متكفنة.

​بس في آخر البدروم.. كان في ضوء أزرق ضعيف جاف طالع من ورا ستارة قماش تقيلة سودا، مقفولة ومربوطة بحبل في الحيطة.

​مشيت بخطوات بطيئة، كل خلية في جسمي كانت بتقولي "اطلعي واجري! سيب البيت واجري!" بس الفضول والخوف على نفسي وعلى البنات خلاني أكمل. مديت إيدي المرتعشة وسحبت الستارة السودا على جنب.

​اللي شفته ورا الستارة.. خلى عقلي يوقف عن التفكير.

​ما كانش في جثة، وما كانش في هيكل عظمي زي ما خيالي المريض صورلي.

​المكان كان متوضب كأنه أوضة نوم صغيرة، بس غريبة جداً! كان في سرير معدن قديم، مفروش بملاية نظيفة. وعلى الحيطة كانت متتعلق عشرات الشاشات الصغيرة والتلفزيونات القديمة والمرايات! كل شاشة كانت بتعرض فيديوهات وصور لست واحدة.. مراته المتوفية "مها".

​وفي نص الأوضة، كان في كرسي هزاز خشب، متثبت عليه ماكيت، أو تمثال بحجم إنسان طبيعي، متغطي بهدوم حريمي حقيقية، وعليه باروكة شعر أسود طويل، وش متصنع من السيليكون أو الشمع بشكل يرعب، بس متفصل عشان يشبه صور الست اللي على الشاشات!

​والأبشع من ده كله.. كان في تسجيل صوتي شغال بصوت واطي جداً، تكرار لصوت ست بتتكلم وتسجل: "أنا هنا.. أنا مستنياك يا طارق.. ما تتأخريش عليّا.."

​صرخة كانت مكتومة في زوري وما طلعتش. طارق كان عايش في وهم! طارق عامل ضريح لمراته الميتة تحت البيت، وبيجيب بناته الصغيرين ينزلوا هنا، أو البنات استكشفوا المكان من وراه!

​فجأة.. سمعت صوت فوق.

 

تم نسخ الرابط