وافقت اتجوز رجل مشرد

لمحة نيوز


كان لابس قميص أزرق نضيف، حد في الملجأ كان ادهوله.
وأنا كنت لابسة فستان كحلي بتاع الشغل.
لما الموظفة سألتنا عن الدبل، عماد فتش في جيوبه وقال
كنت عارف إني نسيت حاجة!
ضحكت.
وبعد 11 دقيقة بالظبط...
بقيت مراته.
وبعدها بتلات أسابيع، كنت قاعدة جنب سريره في دار الرعاية، وأنا بتفرج على نفسه وهو بيهدى واحدة واحدة...
لحد ما وقف.
ودلوقتي...
الجواب اللي في إيدي بيقوللي إن السبب اللي اتجوزته عشانه ماكانش حقيقي.
غصبت نفسي أكمل قراءة.
كان كاتب
الفشل الكبدي كان حقيقي. وإن فاضلي شهر كان حقيقي. الكذبة الوحيدة كانت السبب اللي قولتهولك عشان تتجوزيني.
نزلت الجواب من إيدي للحظة.
وبعدين مسكته تاني بسرعة.
وكملت
كل ترتيباتي كانت متظبطة أصلًا. كنت عارف إن دار الرعاية أو الجهات المختصة هيتصرفوا في الورق. وماكانش ممكن أموت وأختفي كشخص مجهول من غير اسم.
قمت من على الكرسي بعنف لدرجة إنه اتحك في الأرض.
وقلت
إنت عملت إيه يا عماد؟!
كنت غضبانة.
لكن المشكلة إني ماكانش عندي مكان أودي فيه غضبي.
عماد مات.
مش هعرف أكلمه.
مش هقدر أمسكه وأطلب منه تفسير.
حتى مش هقدر أخليه يقعد قدامي ويشوف تعبير وشي وهو بيقوللي الحقيقة.
كملت.
لو كنت اديتك مشكلة تقدري تحليها، كنت عارف إنك هتحليها.
الجملة دي بالذات وجعتني.
لأنه كان عنده حق.
على مدار سنتين، أنا طول الوقت كنت بقدم لعماد حاجات.
قهوة.
أكل.
شرابات.
أرقام ملاجئ.
ومرة لما درجة الحرارة نزلت جدًا، قضيت نص وقت الراحة بتاعي في الشغل وأنا بتصل بالملاجئ عشان أدورله على سرير فاضي.
وكان بيشكرني كل مرة.
لكن عمر ما جه في بالي إنه خلال السنتين دول كان بيتعلم حاجة عني...
بيتعلم بالظبط إزاي يطلب مني حاجة ويضمن إني أوافق.
وفي آخر الصفحة كان كاتب
قبل ما تقرري أنا كنت واحد حقير ولا لأ، ارجعي المحكمة اللي اتجوزنا فيها. اسألي عن ماجدة. وقوليلها إنك مراتي.
كنت على وشك أرمي الجواب.
لكن بدل كده...
بعد ساعة واحدة كنت واقفة في بهو المحكمة.
كان فيه عرسان قاعدين على الكراسي البلاستيك.
واحدة لابسة بدلة بيضا وبتظبط الروج، وخطيبها ماسك بوكيه الورد.
وطفل صغير بيزحف تحت الكراسي وأبوه بيجري وراه.
من تلات أسابيع بس، أنا وعماد كنا قاعدين في نفس الصف ده.
افتكرت إزاي كان بيمسح كفوف إيده في بنطلونه باستمرار.
وقتها قلتله
إنت بتترعش.
رد
أنا بموت... من حقي أترعش.
وأنا صدقت التفسير.
دلوقتي بقيت بسأل نفسي
يا ترى كام حاجة تانية صدقتها لمجرد إن التفسير كان سهل ومريح؟
عند مكتب السجلات، سألت عن ماجدة.
الموظف شاورلي على ست كبيرة شوية، لابسة نضارة حمرا.
قربت منها.
حضرتك ماجدة؟
رفعت راسها
أيوه؟
قلت
أنا سارة... مرات عماد.
إيديها وقفت فوق الكيبورد.
عماد؟!
هزيت راسي.
رجعت بالكرسي لورا وقالت
يا حبيبتي...
قامت ولفت من ورا المكتب وحضنتني.
وأنا فضلت واقفة متخشبة.
لما بعدت عني، كانت عينيها مليانة دموع.
سألتني
مات إمتى؟
من أسبوع.
بصت بعيد وقالت
كنت عارفة إنه عيان... بس ماكنتش أعرف إن الموضوع قريب للدرجة دي.
بصيتلها باستغراب.
إنتِ كنتِ تعرفي عماد؟
كشرت
طبعًا.
إزاي؟
بصت حوالين المحكمة وقالت
عماد كان بيشتغل هنا.
حدقت فيها.
هنا؟!
أيوه. اشتغل هنا 28 سنة.
قلت
طب إزاي انتهى بيه الحال في الشارع؟
قالت
صحته ابتدت تنهار بعد ما طلع معاش. مصاريف العلاج أكلت تحويشة عمره، ولما خسر شقته كان كبرياؤه مانعه إنه يكلم أي حد فينا.
سألتها
كان بيشتغل إيه؟
قالت
أغلب شغله كان في تراخيص الجواز.
وشالت نضارتها.
هو عمره ما قالك؟
لأ.
ابتسمت ابتسامة صغيرة
ده شبه عماد فعلًا.
قلت
يعني إيه؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
تعالي معايا.
خدتني في طرقة لحد أوضة صغيرة بتتعمل فيها مراسم الجواز المدني.
وأول ما دخلتها، عرفت القوس الخشبي اللي قدام الحيطة.
قلت
دي الأوضة اللي اتجوزنا فيها.
قالت
عارفة.
بصيتلها.
إنتِ كنتِ موجودة؟
لأ... بس عماد كان هنا بعد الضهر في اليوم اللي قبل جوازكم.
لفيت ناحيتها.
ليه؟
راحت عند دولاب، وفتحت الدرج اللي تحت بالمفتاح.
وقالت
أنا سألته نفس السؤال.
طلعت ملف ضخم وحطته على الترابيزة.
قعد على الكرسي ده تقريبًا ساعة كاملة.
وشاورت على كرسي جنب القوس الخشبي.
سألتها
كان عايز إيه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ولا حاجة. قاللي إنه متوتر.
ضحكت تقريبًا من غرابة الكلام.
راجل اشتغل وسط الجوازات 28 سنة... متوتر من الجواز؟
قالت
ده بالظبط اللي قولتهوله.
وحطت إيدها على الملف.
فضل باصص للقوس وقاللي بكرة هبقى واقف الناحية التانية من المكتب.
افتكرت إيده وهي بتترعش يوم جوازنا.
أنا كنت فاكرة المرض هو السبب.
يمكن كنت بتفرج على حاجة تانية خالص.
ماجدة فتحت الملف.
كان جواه سجل جواز قديم.
اسم راجل وست ماعرفهمش مكتوبين فوق.
لكن تحت...
كان فيه توقيع عرفته فورًا.
عماد.
وجنب اسمه كلمة واحدة
شاهد.
ماجدة قلبت كام صفحة.
زوجين تانيين.
عماد.
شاهد.
قلبت صفحة تانية.
عماد.
شاهد.
التواريخ بتتغير.
السنين بتعدي.
الأشخاص مختلفين.
لكن خط الإيد هو نفسه.
سألت
إيه ده؟
قالت
كان ساعات بييجي ناس يتجوزوا ومايبقاش معاهم حد. عماد كان بيطلع من ورا المكتب ويقف شاهد معاهم.
قلبت صفحة تانية.
كان بيكره فكرة إن حد يتجوز ومايبقاش فيه شخص واحد واقف جنبه.
لمست توقيعه بإصبعي.
كان غريب أشوف خط عماد من سنين طويلة قبل حتى ما أعرفه.
نفس حرف العين.
ونفس نهاية اسمه المايلة.
سألتها
عمل كده كام مرة؟
هزت كتفها.
مئات المرات تقريبًا.
وبعدين ابتسمت
كان دايمًا يهزر ويقول إنه حضر أفراح أكتر من أي حد في المبنى، وفي نفس الوقت عمره ما اضطر يفتكر ذكرى جواز!
ضحكت غصب عني.
لكن الضحكة اختفت لما السؤال الواضح جه في دماغي.
هو عماد كان متجوز قبل كده؟
ماجدة قفلت الملف.
وما ردتش.
قلت
يا ماجدة؟
قالت
مرة واحدة.
دورت في وشها على الإجابة.
من مين؟
بصتلي مباشرة وقالت
منك إنتِ.
قعدت على الكرسي.
طوال 28 سنة...
عماد كان بيتفرج على ناس تدخل المبنى ده باسمين منفصلين...
ويخرجوا منه مربوطين ببعض رسميًا.
ولو حد منهم مالوش أهل أو أصحاب معاه، عماد كان بيتقدم ويقف جنبه ويمضي كشاهد.
اسمه اتكتب مئات المرات.
لكن عمره ما اتكتب جنب كلمة
زوج.
إلا معايا أنا.
ماجدة فتحت درج تاني وقالت
فيه حاجة كمان. عماد طلب مني أطلع الورقة دي بعد ما جوازكم يتسجل رسمي، في حالة إنك جيتي تدوري عليّا.
طلعت جراب بلاستيك شفاف وحطته قدامي.
جواه نسخة من قسيمة جوازنا.
اسمي.
واسم عماد.
وجنب اسمه
الزوج.
افتكرت قد إيه كان بيطبق نسخته من قسيمة الجواز بعناية بعد المراسم.
وافتكرت إنه سأل الموظفة مرتين يمضي فين.
وأنا يومها كنت بهزر معاه وقلت
إنت بتتصرف كإن ده جواز حقيقي!
عماد سكت ثانية.
وبعدين ابتسم وقال
أول جوازة ليا... سيبيني أتوتر براحتي.
ضحكت وقتها.
دلوقتي...
ماقدرتش أضحك.
ماجدة قعدت جنبي.
عماد قالك ليه كان عايز يتجوزك؟
قلت
قاللي سبب.
وحكيتلها عن الجواب.
وعن حكاية الدفن.
وعن اعترافه إنه خلّى الموقف يبان أسوأ مما هو عليه، لأنه كان عارف إن ده هيخليني أساعده.
لما خلصت، ماجدة ما حاولتش تدافع عنه.
قالت
اللي عمله معاكي ماكانش عادل يا بنتي.
بصيتلها.
قالت
هو كان عارف إنك هتقولي آه لو قدامك مشكلة محتاجة حل. عماد طول عمره بيعرف يطلب مساعدة عملية... لكن عمره ما عرف يطلب من حد إنه يختاره.
فضلت باصة لتوقيعه.
وسألتها
طب أنا كنت بوافق على إيه فعلًا؟
بصت لقسيمة الجواز وقالت
دي مش حكايتي أنا اللي أحكيها.
كنت عايزة أضغط عليها.
لكن افتكرت باقي صفحات جواب عماد اللي في شنطتي.
هو قاللي أجيلها الأول.
كان عايزني أشوف كل ده قبل ما أكمل.
توقيعات الشاهد.
قسيمة الجواز.
وكلمة
الزوج.
خرجت من المحكمة وركبت المترو ناحية البيت.
لكن لما القطر وصل المحطة القديمة اللي كان عماد بيقعد عندها...
نزلت.
روحت كشك القهوة.
الست اللي واقفة فيه عرفتني فورًا.
قالت
اتنين؟
كنت هقول لأ.
بعدين بصيت ناحية المكان الفاضي اللي
 

تم نسخ الرابط