أحمد حلمي المهندسين
لم يكن يعرف وقتها إلى أين يمكن أن تأخذه الأيام.
مرت سنوات طويلة بعد تلك اللحظة.
وكبر أحمد.
وتغيرت ملامحه.
وتغيرت حياة كل من كان يعرفه.
لكن هناك أشياء معينة لا تمحوها السنوات.
وجه شخص عاملك بطريقة مختلفة في وقت كنت فيه ضعيفًا.
كلمة طيبة تسمعها وأنت طفل.
أو شخص بالغ ينظر إليك في لحظة خطأ، لكنه يظل قادرًا على رؤية الطفل الذي أمامه، بدلًا من أن يرى الخطأ وحده.
وهذا بالضبط ما يبدو أن أحمد ظل يتذكره.
ولهذا، عندما رأى اللواء محمود الفيشاوي في مكان تنفيذ العقوبة، تعرف عليه فورًا.
لم يكن الأمر بحاجة إلى أن يقول له اللواء
أنا محمود، فاكرني؟
ولم يكن بحاجة إلى أن يذكّره بالتفاصيل.
أحمد هو الذي عرفه.
هو الذي رأى أمامه، وسط تلك اللحظة القاسية، صورة رجل عرفه عندما كان طفلًا صغيرًا.
ولهذا طلب أن يسلّم عليه.
وفعلًا، اقترب منه اللواء محمود الفيشاوي وسمح له بأن يسلّم عليه.
وفي تلك اللحظة، لم يكن أحمد يتحدث عن الجريمة التي أوصلته إلى هناك.
ولم يكن يتحدث عن الحكم.
ولم يكن يحاول أن يبرر ما حدث.
كان كل ما يفعله أنه يودّع رجلًا بقي في ذاكرته منذ طفولته.
وربما كان يريد أن يقول له شيئًا واحدًا فقط.
أنا فاكرَك.
فاكر إنك كنت هناك.
فاكر إنك شفتني وأنا طفل.
فاكر إنك ماعاملتنيش وقتها على إني مجرد مجرم.
فاكر إنك شفت إن قدامك طفل صغير أخطأ.
ومع اقتراب اللحظة الأخيرة، ظل أحمد حلمي يقول للواء محمود الفيشاوي
شكرًا.
مرة بعد مرة.
شكرًا.
وكأن كل الكلمات الكثيرة التي كان من الممكن أن يقولها اختصرها في الكلمة دي.
شكرًا لأنك عاملتني وقتها بطريقة مختلفة.
شكرًا لأنك ما نسيتش إن اللي قدامك طفل.
شكرًا لأنك، من بين ناس كتير، فضلت في ذاكرتي لحد اللحظة دي.
وربما كان أغرب شيء في القصة كلها أن أحمد، وهو في أصعب لحظة في حياته، لم يتذكر شخصًا ساعده في السنوات الأخيرة، ولم يطلب مقابلة شخص بسبب مصلحة أو طلب.
بل تذكر رجلًا قابله وهو طفل.
رجلًا ربما لم يتخيل أصلًا أن ذلك الطفل سيظل يتذكره بعد كل هذه السنوات.
وربما لم يتخيل اللواء محمود الفيشاوي نفسه أن الطريقة التي تعامل بها مع طفل صغير في يوم من الأيام ستظل عالقة في ذاكرة هذا الطفل حتى يصبح رجلًا، وحتى يصل إلى آخر لحظات حياته.
وهنا تصبح الحكاية أكبر من مجرد لقاء عابر.
لأن الطفل الذي كان عمره تسع سنوات لم يكن يعرف وقتها أن هناك لحظات صغيرة جدًا في حياة الإنسان يمكن أن تترك أثرًا لا يختفي.
كلمة.
نظرة.
طريقة معاملة.
أو حتى مجرد إحساس بأن الشخص الذي أمامك، رغم خطئك، ما زال يراك إنسانًا.
أحمد حلمي لم ينسَ ذلك.
ولهذا، عندما أُعطي فرصة ليطلب شيئًا في آخر لحظاته، اختار أن يطلب رؤية أنكل محمود.
وربما كان يريد فقط أن يراه مرة أخيرة.
أن يسلّم عليه.
وأن يقول له شكرًا.
ثم تنتهي الحكاية.
لكن السؤال الذي تركته القصة بعد كل هذه السنوات يظل حاضرًا
ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن كل شخص قابل أحمد حلمي وهو طفل، تعامل معه بالطريقة التي تعامل بها أنكل محمود؟
هل كان ممكنًا أن تتغير حياته؟
هل كان ممكنًا أن يأخذ طريقًا مختلفًا؟
هل كان ممكنًا أن يجد من يمد له إيده في الوقت المناسب؟
أم أن بعض الطرق تبدأ من قرارات كثيرة لا يمكن اختصارها في موقف واحد؟
لا أحد يستطيع أن يعرف الإجابة.
لكن المؤكد أن قصة أحمد حلمي تترك وراءها سؤالًا صعبًا عن أثر معاملة الأطفال، وعن الفرق بين أن تنظر إلى طفل أخطأ باعتباره طفلًا يحتاج إلى توجيه، وبين أن تضع الخطأ وحده أمام عينيك وتنسى الإنسان الذي ارتكبه.
فربما لا نعرف أبدًا إلى أين يمكن أن تصل كلمة واحدة نقولها لطفل.
وربما لا نعرف أيضًا مقدار الأثر الذي يمكن أن تتركه فيه معاملة بسيطة، قد ننساها نحن بعد أيام، لكنه يظل يتذكرها طوال عمره.
أحمد حلمي، في آخر لحظاته، لم ينسَ.
ظل يتذكر أنكل محمود.
وظل يكرر له
شكرًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأصعب
تفتكروا أحمد حلمي لو كان كل اللي حواليه اتعاملوا معاه وهو صغير بنفس الطريقة اللي اتعامل بيها أنكل محمود هل كانت حياته ممكن تاخد طريق تاني؟