أحمد حلمي المهندسين
لو شوفت الصورة دي من غير ما تعرف صاحبها.. هتحس إن اللي فيها شاب شكله هادي وطيب، ومستحيل تتخيل إنه ارتكب أفعالًا خاطئة ما تتناسبش لا مع شكله، ولا عيلته، ولا حتى مع عمره الصغير.
الصورة دي لأحمد حلمي مع مراته مانويلا.
الحكاية بتبدأ وهو طفل عنده حوالي 9 سنين، وكان من أقرب أصحابه ابن الفنانة مها صبري. في يوم، عاقبته والدته، فأحمد حلمي اتضايق عشانه وقرر يضايقها على قد فهمه وقتها وسنه، فدخل بيتهم وأخذ مجوهراتها.
تم القبض عليه، وراح قسم قصر النيل، وقابل ضابطًا كان الوحيد اللي عامله على إنه طفل صغير مش فاهم اللي حصل، وحاول يهديه. وأحمد كان بيناديه أنكل محمود.
المهم، الفنانة مها صبري اتنازلت عن المحضر، لكن بعد ما اتنشرت صورة أحمد حلمي وفوقيها عنوان بالبنط العريض أصغر متهم في مصر، ده خلى الكل من وقتها يبعد عنه، واتطرد من مدرسته، ومن هنا بدأت رحلة الأخطاء بكل أشكالها.
المهم، بعد سنين دخل أحمد حلمي السجن، واتعرف هناك على المهندس رأفت، اللي كان محبوسًا في قضية، وكان بيأكد له إنه مظلوم وإن صاحب المصنع اللي بيشتغل فيه هو اللي دبّر له القضية.
أحمد حلمي صدّق حكايته واتأثر بيه، ولما خرج من السجن قرر يساعده، من غير ما يعرف إن القرار ده هيكون بداية لسلسلة من الأحداث هتغيّر حياته بشكل كامل، وتنتهي بيه في مكان ماكانش يتخيل يومًا إنه هيوصل له.
كانت الحكاية بدأت قبل سنين طويلة، لما كان أحمد حلمي لسه طفل صغير عمره تسع سنين فقط.
في السن ده، الطفل بيكون لسه بيتعلم يفرّق بين الصح والغلط، ولسه شخصيته بتتكوّن، ولسه كلمة من شخص كبير ممكن تغيّر نظرته لنفسه وللدنيا كلها.
لكن حياة أحمد اتاخدت في اتجاه مختلف.
وبعد سنوات، دخل السجن، وهناك قابل شخصًا أثرت حكايته فيه، وصدّقه أحمد حلمي وتأثر بما سمعه منه.
وعندما خرج من السجن، لم ينسَ تلك الحكاية.
قرر أن يساعده.
لكن المساعدة لم تذهب به إلى طريق النجاة، وإنما قادته إلى طريق آخر أكثر خطورة.
فقد خطط لحادث كبير، وانتهى الأمر بحادث مأساوي راح ضحيته ثلاثة أشخاص.
ثلاثة أشخاص فقدوا حياتهم، وفي لحظة واحدة تحولت الحكاية من محاولة لمساعدة شخص إلى جريمة لها ضحايا، وأصبح أحمد حلمي نفسه أمام مصير ثقيل.
تم القبض عليه.
وبعد التحقيق والمحاكمة، صدر بحقه حكم بعقوبة شديدة.
مرت الأيام، ثم الشهور، حتى جاء اليوم الذي لم يعد فيه هناك مجال للهرب من النهاية التي وصل إليها.
يوم تنفيذ العقوبة.
وفي مثل هذه اللحظات، كان هناك سؤال روتيني يُوجَّه إلى المحكوم عليه
نفسك في إيه؟
سؤال بسيط في كلماته، لكنه في تلك اللحظة كان يحمل معنى مختلفًا تمامًا.
شخص يقف أمام نهاية حياته، ويُطلب منه أن يقول آخر ما يتمناه.
كان ممكن يطلب أي شيء.
كان ممكن يطلب أن يرى شخصًا يحبه.
أو يطلب أن يتحدث مع أحد أفراد عائلته.
أو حتى يظل صامتًا.
لكن أحمد حلمي قال شيئًا لم يتوقعه الموجودون.
قال إنه عايز يسلم على
أنكل محمود.
في البداية، لم يفهم الموجودون من يقصد.
أنكل محمود؟
مين أنكل محمود؟
هل هو أحد أقاربه؟
هل هو جار قديم؟
هل هو شخص من معارفه؟
هل هناك شخص كان قريبًا منه طوال حياته؟
لكن أحمد كان عارف بالضبط مين اللي بيتكلم عنه.
وظل ينظر إلى أحد القيادات الموجودة في المكان.
ومع استمرار الموقف، ظهر صوت في الغرفة وأوضح لهم أن الشخص الذي يقصده أحمد موجود بالفعل بينهم.
وهنا بدأت المفاجأة.
الشخص الذي كان أحمد حلمي يريد أن يسلّم عليه لم يكن قريبًا له، ولا جارًا، ولا صديقًا قديمًا بالمعنى المعتاد.
كان اللواء محمود الفيشاوي.
وكان وقتها مدير الإدارة العامة للإعلام والعلاقات العامة في وزارة الداخلية، وكان من ضمن القيادات التي كان حضورها مرتبطًا بتنفيذ العقوبة.
لكن بالنسبة لأحمد حلمي، اللواء محمود الفيشاوي لم يكن مجرد أحد القيادات الموجودة في المكان.
كان شخصًا يعرفه منذ عشرات السنين.
شخصًا لم ينسَ وجهه رغم مرور كل هذه السنوات.
والأغرب من ذلك أن اللواء محمود الفيشاوي نفسه لم يكن قد تواصل معه في تلك اللحظة ليذكّره بنفسه.
فقد كانت السنوات قد مرّت.
والطفل الصغير الذي كان عمره تسع سنوات أصبح رجلًا.
وتغيرت ملامحه.
وتغير شكله.
وتغيرت حياته بالكامل.
لكن أحمد، بمجرد أن رآه، عرفه.
عرف الرجل الذي كان يناديه منذ طفولته
أنكل محمود.
لأن اللواء محمود الفيشاوي كان هو الضابط الذي ألقى القبض على أحمد حلمي عندما كان طفلًا في التاسعة من عمره.
وكانت هناك نقطة لم تختفِ من ذاكرة أحمد طوال تلك السنوات.
أنه، في ذلك الوقت، لم يتعامل معه كأنه مجرم كبير.
لم ينظر إليه باعتباره شخصًا انتهت حياته بسبب خطأ ارتكبه.
بل قدّر الموقف وتعامل معه على أنه طفل صغير أخطأ.
طفل يحتاج إلى أن يفهم، لا أن يُنظر إليه وكأنه شخص فقد كل فرصة في الحياة.
وربما لهذا السبب بالذات ظل الاسم محفورًا في ذاكرة أحمد.
أنكل محمود.
كلمة بسيطة جدًا.
لكنها بالنسبة لأحمد لم تكن مجرد طريقة لمناداة رجل أكبر منه.
كانت مرتبطة بذكرى قديمة من أيام كان فيها مجرد طفل
صغير.
طفل