حكاية امي حكايات زهرة
زقيت الدكتور بقوتي كلها بعيد عن الباب، وفتحت ودخلت أجرى...
بس اللي شفته جوة الاوضه ما كانش جلسة علاج خالص...
اللي شفته منظر خلاني أقف مكاني، أيدي سابت والاكل وقع مني ووقعت على الأرض فاقدة الوعي من الصدمة...
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد.
صوت الأكل وهو بيقع على الأرض وينكسر كان آخر حاجة سمعتها قبل ما كل حاجة تحول لسواد تام...
لما فتحت عيني، ما كنتش عارفة أنا عدى عليا قد إيه. الدقيقة؟ ولا ساعة؟ ولا العمر كله جرى وأنا مغمضة؟ لقيت نفسي مرمية على كرسي إنتظار في الممر، وريحة النشادر طالعة في مناخيري بتمزعها. أول ما استوعبت أنا فين، المنظر اللي شفته قبل ما أغمى عليا رد في عيني زي الكابوس أمي... أمي اللي كانت مربوطة من إيديها ورجليها في السرير الحديد، وجسمها بيتنفض زي الفراخة المذبوحة، والجهاز جنبه شغال بيديها كهرباء، والجدع اللي واقف فوق رأسها حاطط إيده على دماغه وبيبتسم ابتسامة مريضة، كأنه بيتشفى في جثة!
قمت زي المجنونة، زقيت الممرضة اللي كانت بتمسح على وشي بقماشة مبلولة، وجريت على الأوضة. الباب كان مفتوح، والجلسة كانت خلصت... أمي كانت مرمية على السرير زي الحتة القماش الدبلانة، رقبتها معوجة، وشفايقها زرقاء، وعينيها مفتوحة ومبصاش
وهو... كان واقف عند الشباك، مديني ظهره، بيلبس الجاكيت الأبيض بتاعه ببرود مستفز، وبيظبط ساعته الفضة.
أنت عملت فيها إيه يا مجرم؟! أنت مين عشان تعمل كده؟!
صرخت فيها بأعلى صوت عندي، صوت خرج من أعمق نقطة وجع في صدري.
التفت لي بالراحة... كان طويل، حاد الملامح، فيه من ملامح أمي الشبه للدرجة اللي تخض، بس العيون كانت ميتة، ما فيهاش نقطة رحمة واحدة. بص لي من فوق لتحت ببرود يقتل، وقال بنبرة هادية ألعن من السكينة
أنا الدكتور علي... اللي بينضف المستشفى دي من الحالات الميؤوس منها، أو بمعنى أصح... بيدي لكل واحد العذاب اللي يستاهله.
قربت منه وأنا بترعش من الغل، رفعت إيدي وكنت هضربه، بس مسك معصم إيدي بقوة عتية، عصره بين صوابعه لحد ما عظامي صرخت.
أنت فاهم أنت بتعمل إيه في أمك؟! دي أمك يا علي! أمك اللي اتجننت عشان أخدوك من حضنها وهي عندها عشرين سنة! أمك اللي كانت بتعملك أعياد ميلاد بالعيش والشمع وأنت مش موجود!
ضحك... ضحكة مكتومة، مسمومة، طلعت من بين سنانه زي الهسيس
أمي؟! الست دي مش أمي... الست دي رميتني عشان القرشين! باعتني لعمي وأخدت تمن حريتها وراحت اتجوزت أبوكي وعاشت حياتها!
مسكني من كتافي وهزني بقوة، وعينيه احمرت والشرار بينزل منها
عمي مات... بس بعد ما حكالي كل حاجة! بعد ما غرس في قلبي كل يوم كلمة بتفكرني أنا ابن مين! ابن الست اللي باعت طفل عنده سنة عشان تشتري راجل تاني! أنا أخدت شهادتي، وسافرت، وبقيت أكبر دكتور... مش عشان أتعالج، ولا عشان أنسى... عشان أرجع، وأدور عليها، وأخليها تدوق نقطة واحدة من العذاب اللي عشته! الجلسات دي مش علاج يا حلوة... الجلسات دي هتمحي اللي فاضل من عقلك، هخليها تنسى اسمها، تنسى وجودها، هخليها حتة لحمة ما بتحسش لحد ما تموت!
عمك كداب! عمك إبليس! صرخت فيها والدموع مغرقة وشي، عمك هو اللي سرق ورثها! عمك وأبوها هما اللي جروها من شعرها ورجموها في الشارع ورموك في حضنه عشان يكسروها! أمي اتجوزت أبويا غصب! أبويا كان بيضربها ويحبسها بالشهور عشان ما تخرجش تدور عليك! أمي اتجننت بسببيك أنت! كل يوم كانت بتنادي اسمك... كل يوم كانت بتاكل الهواء وتقول علي جائع! حرام عليك يا علي... اتقي الله ده عمك
رماني لورا، وقعت على الأرض عند رجلين السرير اللي عليه أمي. بص لي بقرف وقال
قصة حزينة... تنفع لفيلم عربي قديم. بس أنا ما بدخلش عليا الدموع. أنا دكتور ومتربي على أرقام وحقائق، والحقيقة الوحيدة إن الست دي رمتني.
التفت للممرض اللي كان واقف برة خايف
جهزوها للجلسة التانية بكرة الصبح... بجرعة مضاعفة. الحالة محتاجة حزم.
لااااا! على جثتي!
قمت وقفت بينه وبين السرير، . بس هو ما اهتمش، زقني ببرود وخرج، وسابني مع أمي اللي كانت بتترعش وجسمها متلج، وعينيها بتبص للسقف ولا كأنها سامعة ولا شايفه... الكهرباء طفت النور الأخير اللي كان فاضل في نني عينها.
قعدت تحت رجليها، حضنت ركبتها وبكيت... بكيت بكاء عمره ما خرج مني. كنت حاسة إن الجبل اللي شايلته بقالي 10 سنين وقع فوق دماغي وفرمني. أخويا اللي كنت بحلم باليوم اللي ألاقيه عشان يرجع الروح لأمي... رجع هو عزرائيل اللي جاي يقبض روحها!
الليل جه، والمستشفى بقت زي المقبرة. النور العالي طفى، وفاضل بس النور الصفيح بتاع الممرات. المدير والأطباء مشيوا، ومفاضلش غير أطقم التمريض اللي بتنام على الكراسي.
أنا ما مشيتش. استخبيت في الحمام لحد ما الهدوء حل، وطلعت أتسلل على صوابع رجليا لحد أوضة
فتحت الباب بالراحة. أمي