مراتي كل جمعه بتعزم اهلها على الغدا

لمحة نيوز


وفي وسط السفيرة، في السرفيس الكبير اللي بيتحط فيه الديك الرومي، كان محطوط وصل تصليح الغسالة، وتحتيه ورقة كبيرة مكتوب فيها بخط واضح ومفهوم
غسيلنا نظيف وزي الفل.. والفضل يرجع للإيدين اللي تغسل، مش للفلوس اللي تترمى في العزومات علشان المنظر! شرفتمونا.. بس المرة الجاية الغدا هيكون عند اللي بيعزم كل أسبوع!
المنظر كان متصمم بالمليمتر. جوز أختها اللي كانت طالعة بيه السماء بصل للورقة، وبعدها بص لمراتي وحماته، ومقدرش يمسك نفسه، وضربها ضحكة مكتومة حاول يداريها بكحة ناشفة، وهو بياخد عياله من إيدهم وبيقول بصوت واطي طب نستأذن إحنا بقى يا جماعة عشان شكلنا جينا في وقت مش مناسب خالص!
أخت مراتي وشها جاب ألوان، وجريت ورا جوزها وهي بتحاول تلم الدور وتزعق فيه بصوت واطي، والعيال مذهولين وبيسألوا هو فين البشاميل يا بابا؟!
أما حماتي اللي كانت بتجري على الباب زي المجنونة، فما كانتش بتجري من الخوف، كانت بتجري من الفضيحة! فتحت باب الشقة وهي بتلهث وبتردد كلام مش مفهوم، وكل اللي قدر تقوله وهي طالعة على السلم يا كسفتنا.. يا فضيحتنا وسط الناس! بقى الكحيان يعلم علينا بالطريقة دي?! وقفت أنا عند الباب وبعلو صوتي قلت لها بمنتهى الأدب والنحنوح منورة يا حماتي! الغسيل اتغسل والحمد لله، والمرة الجاية نجيب لكم الفاتورة مع العزومة عشان تبقوا
عارفين الكحيان بيصرف كام!
قفلت الباب بالراحة، والتفتّ

لمراتي.
مراتي كانت واقفة جنب السفيرة، رجليها مش شايلاها، دموعها نازلة على خدودها زي المطر، ومش قادرة ترفع عينها في عيني. الصدمة كانت ميكس بين الكسفة من أهلها، والذهول من اللي أنا عملته، والإدراك المفاجئ إن السقف اتطربق فوق رأسها.
قربت منها بخطوات هادية، وقعدت على الكرسي اللي في وشها، وحطيت رجل على رجل.
إيه رأيك في العزومة يا هانم؟ مش كنتي عايزة تباني قدام أختك وأمك إنك ملكة وبيتك عامر؟ أديكي بقتي التريند الجديد في العيلة!
ردت بصوت مخنوق ومتقطع من العياط ليه.. ليه تعمل فيا كده يا أحمد؟ فضحتني قدام أختي وجوزها! بقى تحط الهدوم والمغسولة في أطباق الأكل؟! بقيت أضحوكة العيلة خلاص!
وقفت فجأة وصوتي نبرته اتغيرت من الهدوء للجدية الصارمة
لأ يا حبيبتي! أنتِ اللي عملتي في نفسك كده! أنتِ اللي خليتي بيتك وأسرتك مسرحية بتعرضيها كل جمعة عشان ترضي غرورك وتكسبي سباق وهمي مع أختك! أنتِ اللي سمحتي لأمك تقولي عليا كحيان وتدخل في قرارات بيتنا، وأنا ساكت ومستحمل وبقول بنت حلال وستر وغطا عليا!
نظرت لها بغضب كتمته سنين
تعرفي أنا عملت إيه النهاردة الصبح؟ أنا صحيت الساعة 6 الصبح، وقفت على حيلتي 5 ساعات أغسل الهدوم دي حتة حتة على إيديا في البانيو عشان ما معاييش فلوس أصلح الغسالة وأعمل عزومة في نفس الوقت! الفلوس اللي كانت معايا دفعتها للراجل
اللي جه أخد الغسالة يصلحها، والفلوس اللي
فاضلة جبت بيها الهدوم دي مكوية ونظيفة بدل الأكل اللي كان هيتاكل في ساعة ويتنسى!
مراتي شهقت وقعدت على الأرض من كثر البكاء، وبصت للهدوم اللي في الأطباق، وكأنها أول مرة تشوف الحقيقة.
تابعت كلامي وأنا بوجه لها الكلام بكل حسم
البيت ده مقفول علينا إحنا التنين وبنتنا. اللي يدخله يدخله باحترامه، يفتكرنا بالخير أو يفتكرنا على قد حالنا.. مش مهم! المهم إننا ما نكلفش نفسنا فوق طاقتنا عشان منظرتك قدام أختك! أنتِ استخصرتي في جوزك كلمة حق قدام أمك، وسبتيها تهينني في تليفون وكنتي ساكتة ومتوقعة إني أعديها!
مراتي رفعت رأسها بكسرة وقالت والله العظيم ما قصدت.. أنا بس.. أنا كنت مضغوطة ومش عايزة أبين إني أقل منهم..
وأنا مش هعيش طول عمري مديون ومضغوط عشان حضرتك ما تطلعش أقل من حد! قاطعتها بقوة وتابعت من النهاردة، العزومات في البيت ده بقت بقرار مشترك، ولمين؟ للناس اللي بتحبنا بجد، مش اللي جايين يقيموا الأكل وينتقدوا العيشة! العزومة بكرة أو أسبوع الجاي هتكون على قد جيبنا، طبق فول وطعمية لو ده اللي حيلتنا، واللي مش عاجبه ما يجيش!
سيبتها في الصالة مع الأطباق والغسيل، ودخلت أوضة النوم وقفلت الباب.
مرت الأيام، والأسبوع ده كان أطول أسبوع مر علينا في البيت. البيت كان في حالة صمت تام. مراتي ما كانتش بتتكلم غير على قد السؤال، بس لاحظت تغير رهيب فيها.
أولاً الغسالة
رجعت اتصلحت وبقت شغالة
تمام.
ثانياً حماتي جربت تتصل بيها كذا مرة تزعق وتعمل مشكلة، سمعت مراتي بالصدفة وهي في المطبخ بتقول لأمها بصوت هادي بس ناشف يا ماما أحمد جوزي وما أسمحلكيش تتكلمي عنه كده تاني.. هو صح وأنا اللي كنت غلطانة لما حملته فوق طاقته.
الجملة دي لما سمعتها، حسيت إن الدرس جاب نتيجته، وإن مراتي فعلاً بنت حلال وطيبة، بس كانت محتاجة صدمة تفوقها من عقدة النقص والسباق الفارغ اللي كانت عايشة فيه.
يوم الجمعة اللي بعدها جه..
صحيت الصبح، ملقتش مراتي بتجري وتعمل محاشي وبشاميل من الفجر زي العادة. لقيتها قاعدة في الصالة بتبتسملي بكسوف ومحضرة فطار بسيط جداً.. فول وبضتين وطعمية وسلطة.
قعدت جنبها وأنا ببتسم، وقلت لها صباح الخير.. هو ما فيش عزومة النهاردة ولا إيه؟
ابتسمت بخجل وقالت وهي بتبص في الأرض لأ يا أحمد.. خلاص. أنا اتعلمت الدرس. البيت ده بيتك أنت وبس، وجيبك هو اللي يحدد إحنا بناكل إيه ونعيش إزاي. اللي عايز يزورنا أهلاً بيه على كوباية شاي وحاجة بسيطة، والتعزيم الفاخر ده خليه لأصحابه.
مسكت إيدها وقلت لها كده أنتِ مراتي وحبيبتي اللي اخترتها.. والجمعة الجاية بقى، إحنا اللي هنعزم نفسنا
ونخرج نتفسح بالفلوس اللي وفرناها!
ومن يومها، انتهت فوبيا منظرنا قدام أهلي، ورجعت الراحة لبيتنا، وعرفت حماتي وأختها إن
الكحيان اللي كانوا بيستقلوا بيه.. قدر بذكاء وطريقة مش هتتنسى، يرجع هيبته ويحافظ
على بيته وكرامته!

 

تم نسخ الرابط