بعد تلات شهور
٣ شهور كاملين نايمة عند أمي بسبب عملية حقن مجهري، شايلاني وبتخدمني وربنا يجازيها خير، ومعايا طفلتين في سن صغير. جوزي كان بيسيب البنات طول اليوم عند مامته ويروحوا معاه، لكن كل ما ييجوا يزوروني يمسكوا فيا ويباتوا، وساعتها أمي تبوز وتتعفرت عشان عايزاني لوحدي ورافضة وجودهم، الحركة دي زعلتني منها لأقصى درجة، وكانت هي القشة اللي خلتني أقرر أرجع شقتي.!!!!
الأيام كانت بتمر ببطء شديد وأنا محبوسة بين أربع حيطان، جسمي متخشب من قلة الحركة، وقلبي مقسوم نصين؛ نص مع الحلم اللي في بطني وخايفة عليه من الهوا الطاير، ونص مع بناتي اللي حاسة بحرمانهم مني، ونظرات أمي اللي كانت بتوصلني إحساس إن عيالي عبء تقيل عليها وعلى بيتها. كنت ببلع الإهانة وأسكت وأقول معلش دي أمي وشايلاني، لحد ما جه اليوم الموعود اللي كسر كل حاجة.
في اليوم ده، كان لازم أروح المختبر أعمل تحاليل دم ضرورية جداً لمتابعة ثبات الأجنة. جوزي جاب البنات معاه في العربية عشان يوصلنا ويرجعنا، بس الإجراءات والزحمة أخدت وقت طويل، وما خلصناش غير في وقت متأخر جداً من الليل. طلعنا على بيت أمي، والبنات عيونهم دبلانة ومش قادرين حتى يصلبوا طولهم من التعب. جوزي باس راسي وقال بحنية الوقت سرقنا والعيال هلكانين وخلاص ناموا على نفسهم، نيميهم في حضنك النهاردة والصبح هعدي اخدهم قبل الشغل.
وافقت، وهو سلم عليا ونزل. دخلت البنات الأوضة وغيرتلهم
طلعت مفزوعة وساندة على الحيطة وناسية العملية والوجع، لقيت بناتي الاتنين واقفين مرعوبين في الركن، بيعيطوا بهستيريا ودموعهم نازلة شلال من الخوف، وأمي واقفة قدامهم وشها محتقن وبتقولي بكل قسوة ونبرة حادة امسكي تليفونك ده فوراً، اتصلي بجوزك ييجي يلم عياله من هنا ويغور بيهم، أنا مش طايقة دوشة ومش هخدم عيال حد!
الكلمة نزلت عليا زي مية مغلية، حسيت إن كرامة عيالي وكرامتي اتدبحوا في ثانية. بلعت غصتي وقولتلها بنبرة باردة مفيهاش أي روح حاضر يا ماما.. حاضر.
دخلت الأوضة، دموعي مكنتش بتنزل بس قلبي كان بيولع نار. في دقايق معدودة، فتحت الدولاب ولميت كل هدومي وهدوم بناتي في الشنطة، مسكت التليفون وكلمت جوزي قولتله أنا وبناتي مستنيينك تحت باب العمارة.. متتأخرش.
نزلنا، وركبت معاه وروحت شقتي، ومن يومها عدت أيام وأنا ممددة في بيتي لوحدي، أمي متصلتش ولا حتى بعتت تطمن لو الأجنة ثبتت ولا نزلت، وأنا قلبي واجعني ومش قادرة أرفع السماعة وأعاتبها..
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في قسوة أمي؛ الصدمة كانت في الليلة التالتة بعد ما روحت..
المشهد الأول
حاولت أرفع صوتي وأنادي على جوزي، لكن صوتي خرج ضعيف ومتقطع من شدة الوجع
يا كريم كريم!
مفيش رد.
حطيت إيدي على بطني وأنا بحاول أتحرك من على السرير، لكن الألم كان شديد لدرجة إني حسيت إني هفقد وعيي. الدم كان نازل، وقلبي كان بيخبط في صدري من الرعب.
وفجأة سمعت خطوات قربت من باب الأوضة.
اتجمدت مكاني.
الباب اتفتح سنة صغيرة، وظهر جوزي قدامي!
بصلي بصدمة وقال
إنتي صاحيه؟!
بصيت له وأنا بترعش
كنت فين؟ وليه الباب مفتوح؟ ومين كان في الصالة؟
سكت لحظة، وبعدين جري ناحيتي.
متخافيش أنا هنا.
لكن قبل ما يلحق يشيلني، ظهر راجل من وراه.
صرخت
إنت مين؟!
الراجل قرب بسرعة وقال
أنا الدكتور جوزك كلمني لما شاف النزيف.
بصيت لكريم وأنا مش مستوعبة
دكتور إيه اللي ييجي البيت نص الليل؟!
قال وهو بيحاول يهديني
ملقتش حد يرد عليا من المستشفى، وإنتي كنتي بتنزفي جامد، خفت عليكي وعلى الحمل.
الدكتور كشف عليا بسرعة، وبعد دقائق قال بجدية
لازم المستشفى فوراً.
كريم شالني، والبنات كانوا نايمين في الغرفة التانية.
يا رب يا رب متاخدش مني حلمي.
وصلنا، ودخلوني الطوارئ فوراً.
بعد وقت طويل خرج الدكتور، وملامحه كانت هادية.
قال
النزيف شديد، لكن لسه فيه أمل.
غمضت عيني وأنا ببكي.
يعني الحمل موجود؟
هز راسه
لسه موجود بس لازم راحة تامة ومتابعة دقيقة.
بصيت لكريم وقلت
أنا مش هرجع عند أمي.
سكت كريم، وبعدين مسك إيدي وقال
ولا هترجعي.
لكن اللي مكنتش أعرفه إن كريم كان مخبي عني سر أخطر من كل اللي حصل
المشهد الثاني
بعد ما رجعت البيت، كريم بقى مختلف تماماً.
كان بيصحى قبل البنات، يحضر لهم الفطار، يوصلهم، ويرجع يطمن عليا كل شوية.
وفي اليوم الرابع، وأنا قاعدة على السرير، سمعته بيتكلم في الصالة بصوت واطي.
أنا قولتلك متجيش هنا تاني.
سكت شوية.
وبعدين صوته علي
لأ يا أمي الموضوع انتهى.
قلبي اتقبض.
أول ما دخل الأوضة سألته
كنت بتكلم مين؟
اتردد.
ماما.
بصيت له باستغراب
هي كلمتك؟
قال
أيوه.
قالت إيه؟
سكت فترة طويلة، وبعدها قال
قالت إنها عايزة تيجي تطمن عليكي.
ضحكت بسخرية مرة.
بعد كام يوم؟
كريم بص في الأرض.
هي ندمانة.
هزيت راسي
أنا مش عايزة اعتذار يا كريم أنا كنت محتاجة حضن أمي وأنا مكسورة.
وفجأة خبط الباب.
دخلت أمي.
وقفت قدامي وهي ماسكة شنطة صغيرة، ووشها كان باين عليه التعب.
قالت بصوت مكسور
ممكن أتكلم معاكي؟
بصيت لها من غير ما أرد.
قربت مني وقالت
أنا غلطت.
دموعي
قالت
أنا كنت فاكرة إني بخدمك وبشيلك فوق طاقتي، وكنت تعبانة