جندي مصري سقط في حفرة غامضة عام 1973… وما وجده بداخلها ظل سرًا حتى اكتشفه حفيده بعد سنوات
كتاب وخاتم وعقد؟
قلت
أيوه.
أشار ناحية الصندوق الكبير الموجود أمامنا.
وقال
الصندوق الصغير هو اللي وصلني للمكان ده.
اتسعت عيناي.
قال
الكتاب اللي كان فيه ما كانش مجرد كتاب. فضلت سنوات أحاول أفهم رموزه. والخاتم ما كانش مجرد قطعة أثرية، والعقد كذلك.
ثم أكمل
بعد ما رجعت من الجيش وأخذت الصندوق، بدأت ألاحظ أن رموز الكتاب تشبه رموزًا موجودة في أجزاء قديمة من بيت العيلة.
بدأ يبحث.
شهرًا بعد شهر.
وسنة بعد سنة.
حتى اكتشف أن البيت يخفي سردابًا قديمًا.
وعندما نزل للمرة الأولى وجد المكان الذي نقف فيه الآن.
وفي قلبه كان هذا الصندوق الكبير.
قال جدي
الصندوق اللي لقيته في الصحراء كان زي المفتاح... أما ده فهو صندوق العهد.
نظرت إلى الصندوق مرة أخرى.
ثم أشرت إلى الكائن الضخم وقلت
وده مين؟
ابتسم جدي.
قال
ده صقيران بن أسفين.
نظر إليّ الكائن.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
تراجعت دون قصد.
ضحك جدي وقال
ما تخافش.
ثم تابع
صقيران من الجن المسلمين، وهو من كبار القبيلة المرتبطة بهذا الصندوق.
سألته
يعني إيه صندوق العهد؟
قال
لكل
ثم قال
لما لمست الصندوق الصغير سنة 1973، بدأت سلسلة ما كانش ممكن ترجع تاني.
سألته
والهياكل اللي في الحفرة؟
تغير وجهه.
قال
في حاجات يا أحمد الأفضل ما تسألش عنها دلوقتي.
سكت.
ثم تابع
المهم إن الصندوق الكبير بقى في عهدتي طوال السنين دي. وأنا فضلت أحافظ عليه وأمنع أي شخص من معرفة مكانه.
نظرت حولي.
قلت
وعشان كده بتمنعنا نخرج بعد الساعة عشرة؟
ابتسم.
بالضبط.
قال إن الليل هو الوقت الذي ينزل فيه إلى المكان لمتابعة شؤون العهد.
وأن أفراد العائلة جميعًا جاءوا إلى المنزل على مدار السنوات، لكن لم يكتشف أحد السر.
ثم قال
حتى أعمامك خليتهم يقضوا أسبوع هنا هم وأولادهم. كنت منتظر أشوف مين فيكم ممكن يعرف الطريق.
قلت
يعني كنت بتختبرنا؟
قال
مش أنا.
ونظر إلى صقيران.
ثم أكمل
سعيد ابن عمك خرج من غرفته ليلة قبل كده، لكنه ما شافش حاجة. أنت الوحيد اللي شفت.
بلعت ريقي.
وده معناه إيه؟
قال
معناه
صمتُّ.
لم أعرف هل أفرح أم أخاف.
قلت
بس أنا بشتغل في القاهرة يا جدي.
قال
مش مشكلة.
وأشار إلى الاتجاهات الأربعة المتفرعة من الكهف.
الممرات دي مش زي أي ممرات تعرفها. مع الوقت هتفهم إزاي تستخدمها.
ثم قال
ممكن توصل لأماكن بعيدة أسرع مما تتصور، وتشوف أشياء ما كنتش تتخيلها.
قلت
وأنا هعمل إيه بالصندوق؟
قال
تحافظ عليه. بس.
ثم اقترب مني.
المعرفة اللي هتجيلك بسببه كبيرة، وعشان كده مسؤوليتك أكبر.
قلت
طب ما ممكن يتخلصوا مني وياخدوه؟
نظر إليّ جدي.
ثم نظر إلى صقيران.
وفجأة انفجرا في الضحك.
قال جدي
يا ابني، لو كان ده ممكن، كنت أنا اختفيت من خمسين سنة.
ثم أصبح جادًا.
العهد يمنعهم من ذلك. المسؤول عن الصندوق له حرمة عندهم، وهم ملزمون بحمايته طالما حافظ على العهد.
ثم قال
والأعمار بيد الله وحده. أنا كبرت، ومش هفضل موجود للأبد.
نظرت إليه بحزن.
قال
عشان كده لازم حد بعدي يعرف الحقيقة.
في تلك الليلة تمت مراسم العهد.
لم أفهم كل ما حدث.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا...
حياتي التي كنت أعرفها انتهت.
صعدت مع جدي قبل الفجر بقليل.
ذهبنا إلى المسجد وصلينا الفجر.
وعندما عدنا، بدأ بقية أفراد الأسرة يستيقظون.
نظر إليّ أبي باستغراب وقال
إيه ده؟ أحمد صاحي للفجر؟!
ابتسمت.
لم يعرف أحد أننا لم نستيقظ مبكرًا...
بل لم ننم أصلًا.
نظرت إلى جدي.
نظر إليّ وابتسم.
وكان بيننا الآن سر لن يعرفه أحد.
جلست بعد ذلك أفكر في كل ما قاله لي.
فكرت في الكتاب الذي كنت أريد كتابته.
وفكرت في السفر.
وفي الأماكن التي يمكن أن أصل إليها.
وفي الأسرار التي ظل البشر طوال حياتهم يحاولون معرفتها.
وسألت جدي
يعني ممكن تساعدوني أوصل لأي مكان؟
قال
في حدود ما يسمح به العهد.
ضحكت وقلت
حتى المريخ؟
نظر إليّ جدي لثوانٍ.
كنت أنتظر أن يضحك.
لكنه لم يفعل.
قال بهدوء
أحمد... الكون أكبر بكتير من اللي أنت متخيله.
توقفت ابتسامتي.
تابع
ولو أردت يومًا الوصول إلى أعماق المحيطات، أو أماكن لم يرها كثير من البشر، فقد تجد طريقة.
ثم اقترب مني وقال
لكن خليك فاكر حاجة واحدة.
قلت
إيه؟
قال
مش كل حاجة تقدر تعرفها لازم تعرفها.
سكت.
ثم
في معلومات ممكن تغير نظرة الإنسان للحياة كلها. وفي أشياء لو شفتها قبل ما تكون مستعد لها، ممكن تتمنى إنك ما شفتهاش.
نظرت إليه.
قلت
والمريخ؟
ابتسم.
قال
لما ييجي الوقت... شوف بنفسك.
ثم تحرك ليغادر.
وقبل أن يبتعد التفت نحوي وقال
بس لو حكيت للناس اللي هتشوفه، معظمهم هيقول إنك بتكتب خيال.
ظللت واقفًا أنظر إليه.
لم أكن أعلم يومها أن صندوقًا صغيرًا عثر عليه جدي في حفرة مظلمة سنة 1973 سيقودني بعد كل تلك السنوات إلى عالم لم أكن أصدق أصلًا أنه موجود.
ولم أكن أعرف أن الحفرة التي خرج منها جدي لم تكن نهاية قصته...
بل كانت البداية.
وأن الصندوق الموجود أسفل منزلنا القديم يحمل أسرارًا أكبر بكثير من مجرد كتاب وخاتم وعقد.
أما ما حدث بعد أن أصبحت أنا المسؤول عن الصندوق...
فتلك حكاية أخرى.