آلاف النمل
إنه هيستمر ساعات...
كاد ينتهي بموت زوجته وابنه.
مريم فضلت في المستشفى أربعة أيام قبل ما تقدر تتكلم مع الشرطة بشكل كامل.
أول ما الضابط دخل عندها، كانت سعاد قاعدة جنب السرير.
مريم سألت
أحمد فين؟
الضابط قال
بيتحقق معاه.
مريم سكتت.
وبعدين سألها
آخر حاجة فاكرة إنك بعتها له إيه؟
قالت
إني وقعت.
كنتِ عارفة إنه شاف الرسالة؟
مريم بصت للسقف.
أيوه.
سعاد بصتلها باستغراب.
مريم كملت
ظهر عندي إنها اتقرت.
دموعها بدأت
تتجمع.
فضلت مستنية.
كل شوية كنت أبص للطريق.
كنت متأكدة إنه جاي.
حتى بعد ما الموبايل فصل...
فضلت أقول لنفسي أحمد عارف مكاني.
أكيد جاي.
سكتت.
وبعدين قالت
أول ليلة كنت بخاف من صوت الحيوانات.
تاني ليلة...
ما كنتش خايفة من الحيوانات.
كنت خايفة من حاجة واحدة.
سعاد سألتها
إيه؟
مريم بصتلها.
إني أموت وأنا عارفة إن الشخص اللي كان يقدر ينقذني... اختار ما يجيش.
الأوضة كلها سكتت.
وبعدين الضابط قال
مريم، فيه حاجة لازم تعرفيها.
وحكالها عن مكالمة أحمد مع كريم.
وعن الجملة اللي قالها
خليها تستنى شوية وهتعرف قيمة وجودي.
مريم ما عيطتش.
الغريب إنها بقت هادية جدًا.
قالت
خلاص.
سعاد افتكرت إنها بتتكلم عن التحقيق.
لكن مريم كملت
أنا كنت طول الوقت فاكرة
إن الحمل هو اللي غير أحمد.
لكن دلوقتي فهمت.
الحمل ما غيروش.
الحمل بس...
ورّاني هو مين.
بعد حوالي أسبوعين، خرجت مريم من المستشفى على كرسي متحرك مؤقت بسبب إصابة رجلها.
وكان أول شخصين مستنيينها بره...
عم حسين وسعاد.
سعاد كانت شايلة باقة ورد صغيرة.
مريم أول ما شافتهم ابتسمت.
أنا عمري ما هعرف أرد لكم اللي عملتوه.
عم حسين هز راسه.
إحنا لقيناكي بس.
مريم قالت
ساعات إنك تلاقي حد... هو كل اللي محتاجه عشان يعيش.
عم حسين سكت.
وبعدين طلع حاجة صغيرة من جيبه.
كيس قماش صغير.
مده لها.
دي مش من العش نفسه. ما حبيتش ألمس حاجة منه. دي شوية إبر صنوبر جمعتها من جنب المكان.
مريم مسكت الكيس.
وبمجرد
ما شمت ريحة الصنوبر...
عيطت.
لكن المرة دي...
ما كانتش دموع خوف.
كانت دموع واحدة عرفت إنها نجت.
مر شهر.
وبعدها شهر تاني.
ومريم رفضت ترجع لأحمد.
بدأت إجراءات الانفصال.
أما ما يتعلق بمسؤوليته عن تأخر طلب النجدة، فسابته للتحقيق والجهات المختصة.
ولما حاول أحمد يكلمها...
رفضت.
لكن بعد محاولات كتير، بعت لها رسالة طويلة.
كتب فيها
أنا ما كنتش عايزك تموتي. كنت غبي ومتضايق وافتكرت إنك هترجعي. عمري ما هسامح نفسي.
مريم قرت الرسالة.
وبعدين مسحتها.
ما ردتش.
لأن فيه أفعال الاعتذار ممكن يصلح جزء منها...
وفيه أفعال بتغير نظرتك للإنسان للأبد.
بعد حوالي شهرين...
في ليلة هادية، مريم صحيت على ألم شديد.
اتنقلت للمستشفى.
وبعد ساعات...
سمعت صوت كانت مستنياه من اليوم اللي نامت فيه جنب عش النمل.
صوت ابنها وهو بيعيط لأول مرة.
الدكتورة حطت الطفل على صدرها.
مريم كانت بتعيط وبتضحك في نفس الوقت.
بصت لوشه الصغير.
عدت صوابعه.
لمست شعره.
وبعدين همست
إنت فعلًا فضلت معايا.
سعاد، اللي كانت مريم أصرت تكون موجودة معاها، سألتها
قررتي هتسميه إيه؟
مريم ابتسمت.
آدم.
ليه آدم؟
مريم بصت لابنها وقالت
عشان بالنسبة لي... حياته كانت بداية جديدة.
عدت سنة كاملة.
وفي صباح شتوي، عربية وقفت عند مدخل الغابة.
نزلت منها مريم.
كانت شايلة آدم.
وسعاد نزلت من الناحية التانية.
وعم حسين كان مستنيهم.
مريم قالت
فاكر المكان؟
ضحك عم حسين.
ده أنا ممكن أوصله مغمض.
مشيوا وسط الأشجار.
نفس الطريق.
نفس رائحة الصنوبر.
لحد ما وصلوا للمكان.
عش النمل كان لسه موجود.
مريم وقفت بعيد عنه.
ما قربتش زيادة.
ما لمستوش.
ما حاولتش تعمل أي حاجة.
بس وقفت شايلة ابنها.
آدم كان بيحرك إيديه وبيبص حواليه.
مريم بصت للعش فترة طويلة.
وقالت
جدتي كانت
عم حسين ابتسم.
وكانت شايفة إيه؟
مريم قالت
كانت بتقول إن الطبيعة مش محتاجة تتكلم عشان تعلمنا.
سعاد قربت منها.
مريم بصت لآدم.
وبعدين لعش النمل.
وقالت
أغرب حاجة إن أحمد كان عايز يثبتلي إني مقدرش أعيش من غيره.
سكتت لحظة.
وفي الليلة اللي قرر يسيبني فيها لوحدي عشان أتعلم الدرس ده...
اتعلمت فعلًا إني أقدر أعيش من غيره.
عم حسين وسعاد ما قالوش حاجة.
مريم ابتسمت لابنها.
وبعدين بدأت تمشي ناحية طريق الرجوع.
لكن قبل ما تبعد...
وقفت للحظة.
لفت وبصت ناحية العش للمرة الأخيرة.
آلاف النمل كانت بتتحرك في صمت.
رايحة.
جاية.
بتبني.
بتصلح.
وبتكمل حياتها.
وفي اللحظة دي مريم فهمت الحاجة اللي فضلت معاها طول عمرها
في أصعب ليلة في حياتها...
الراجل اللي وعدها يوم جوازهم إنه عمره ما هيسيبها...
عرف إنها محتاجة مساعدة، وقرر يخليها تستنى.
بينما مخلوقات ما تعرفش اسمها...
وما تعرفش إنها أم...
وما تعرفش أصلًا معنى الرحمة بالشكل اللي البشر بيفهموه...
كانت ببساطة بتعمل اللي بتعمله كل يوم
تحافظ على الدفء داخل بيتها.
ومريم استخدمت الدفء ده عشان
تحافظ على حياة ابنها.
مسكت آدم
ومن يومها، كل ما حد كان يسألها
إزاي قدرتي تستحملي ليلتين لوحدك؟
كانت ترد بجملة واحدة
ما كنتش لوحدي... كان ابني لسه بيرفس. وكل رفسة كانت بتقولي كمّلي.
تمت.