آلاف النمل
جسمها.
وبعدين همست بجملة...
خلت سعاد تتجمد مكانها.
متشيلوهمش...
سعاد رفعت رأسها.
إيه؟
مريم حاولت تجمع آخر قوتها.
وقالت
أنا اللي جيت عندهم هنا... بقصدي.
عم حسين وسعاد بصوا لبعض.
ولا واحد فيهم فهم.
ست حامل، مصابة، تايهة وسط الغابة، جسمها شبه متجمد...
ومع ذلك بتقول إنها هي اللي زحفت لحد عش النمل بإرادتها؟
عم حسين قرب منها وقال
إنتِ جيتي هنا بقصدك؟ ليه؟
عيني مريم اتحركت ناحيته.
حاولت تتكلم.
لكن قبل ما تشرح...
ظهر صوت أجهزة الاتصال الخاصة بعم حسين.
فرق الإنقاذ كانت بتقرب من مكانهم.
سعاد أمسكت إيد مريم وقالت
متتكلميش دلوقتي. وفري قوتك.
لكن مريم ضغطت على أصابعها بشكل ضعيف.
كأنها مصممة تقول حاجة.
شيء مهم.
شيء حصل في الساعات الطويلة اللي قضتها لوحدها وسط الغابة.
واللي مريم بدأت تحكيه بعد كده...
كان أغرب من أي شيء سمعه عم حسين طوال حياته.
لأن السبب اللي خلاها تزحف بنفسها ناحية عش النمل...
والحقيقة وراء اختفائها كل هذا الوقت...
والسبب الحقيقي اللي خلّى جوزها أحمد يستنى تقريبًا يوم كامل رغم إنه كان عارف إن مراته الحامل تايهة ومش عارفة مكانها...
كانوا على وشك يكشفوا قصة أفظع بكتير من مجرد واحدة ضلت طريقها في الغابة.
واللي حصل بعد كده غيّر للأبد الطريقة اللي عم حسين كان بيبص بيها للغابة... وللبشر كمان.
يتبع...
الجزء الثاني
سعاد انحنت بسرعة ناحية مريم وقالت لها
متتكلميش كتير... إنتِ ضعيفة جدًا.
شفايف مريم كانت متشققة من شدة الجفاف، وصوتها بالكاد مسموع.
بصت لسعاد وهمست
ابني...
سعاد مسكت إيدها وقالت بسرعة
عايش. متخافيش... قلبه لسه بينبض، ونبضه قوي.
دمعة نزلت على وش مريم المتسخ بالتراب.
وظهر على ملامحها شيء غريب
يشبه الراحة.
همست
يبقى... نفعت.
سعاد افتكرت إنها سمعت غلط.
قربت منها أكتر وقالت
إيه اللي نفع؟
مريم حركت عينيها بصعوبة ناحية عش النمل الضخم المبني من التراب وإبر الصنوبر والأغصان الصغيرة.
وقالت
جدتي... كانت بتدرس الحشرات.
وبمجرد ما قالت الجملة...
عينيها قفلت.
وفقدت الوعي من جديد.
مريم!
سعاد فحصت نبضها
كانت لسه عايشة.
في الوقت نفسه، عم حسين اضطر يطلع ناحية منطقة مرتفعة شوية عشان إشارة جهاز اللاسلكي تبقى أقوى ويقدر يطلب دعم من فرق الإنقاذ.
وسعاد فضلت جنب مريم.
بدأت تفحصها بقدر الإمكانيات البسيطة اللي معاها.
حرارة أطرافها كانت منخفضة بشكل خطير.
إيديها ورجليها شبه متجمدين.
كاحلها كان وارم جدًا، وشكله يوحي إن فيه كسر.
نبضها ضعيف.
جسمها منهك تمامًا من الجفاف والبرد.
لكن كان فيه شيء واحد مش منطقي.
منطقة البطن.
سعاد لمستها للمرة التانية.
حرارتها كانت مستقرة بشكل غريب مقارنة بباقي جسم مريم.
مش دافية بالمعنى الطبيعي...
لكنها بالتأكيد أدفى بوضوح من أطرافها وباقي جسمها.
سعاد بصت لعش النمل.
وبعدين للطبقة الغريبة من إبر الصنوبر والألياف النباتية المتجمعة حوالين بطن مريم.
مش قادرة تفهم العلاقة.
عدت كام دقيقة.
وفجأة...
مريم فتحت عينيها مرة تانية.
المرة دي كانت واعية أكتر.
سعاد قربت منها وقالت
مريم، إنتِ قلتي إن جدتك كانت بتدرس الحشرات... تقصدي إيه؟
مريم أخدت نفس طويل بصعوبة.
وبدأت تحكي.
جدتها، الدكتورة زينب، كانت متخصصة في علم الحشرات في الجامعة.
ولما مريم كانت طفلة، كانت بتقضي معاها فترات طويلة في المناطق الجبلية والغابات وهي بتراقب الحشرات وبتدرس سلوكها.
جدتها علمتها حاجات كتير.
لكن كان فيه معلومة معينة...
مريم عمرها ما نسيتها.
أعشاش النمل الكبيرة ممكن تشتغل كأنها أنظمة حرارية طبيعية.
الحركة المستمرة داخل المستعمرة، والمواد النباتية الموجودة في العش، وطريقة بنائه، والأنفاق الداخلية وحركة آلاف النمل...
كل ده ممكن يخلي درجة الحرارة في أجزاء من المستعمرة
أكثر استقرارًا من درجة الحرارة الموجودة في الخارج.
مريم قالت بصوت ضعيف
جدتي كانت دايمًا بتقولي... لما الغابة تبرد جدًا، تحت بعض مستعمرات النمل بيفضل فيه دفء.
سعاد بصت تلقائيًا ناحية بطن مريم.
وبدأت تفهم.
قالت لها
افتكرتي الكلام ده بعد ما وقعتي؟
مريم هزت راسها ببطء.
أيوه.
وساعتها بدأت تحكي اللي حصل من البداية.
اليوم اللي خرجت فيه من البيت...
مريم ما
ولا كانت ناوية تهرب.
هي بس كانت محتاجة تمشي شوية.
تبعد.
تفكر.
لأن علاقتها بأحمد بقالها شهور بتنهار بسبب الحمل.
في الأول أحمد كان بيقول
إحنا لسه مش جاهزين.
وكان دايمًا يكرر إن التوقيت غلط.
وإن كان عنده خطط تانية لحياته.
لكن مع مرور الشهور...
كلامه بقى أقسى.
بدأ يقول إن الطفل ده هيعطله.
إن الحمل بوظ خططه.
وإن المسؤوليات اللي جاية هتحرمه من الحياة اللي كان عايز يعيشها.
وفي يوم السبت...
الخلاف بينهم انفجر.
مريم قالت وهي بتحاول تمنع نفسها من العياط
قالي لو عايزة أبقى أم... لازم أتعلم أحل مشاكلي لوحدي.
صوتها بدأ يتكسر.
خرجت من البيت لأني كنت محتاجة أفكر بس.
مريم راحت ناحية طريق المشي وسط الغابة.
كانت تعرف المنطقة بشكل عام من زياراتها القديمة مع جدتها.
لكن أثناء سيرها...
دخلت بالغلط في ممر جانبي.
الممر ما كانش طريقًا مخصصًا للناس أصلًا.
كان مجرد أثر ضيق بتستخدمه الحيوانات وسط الأشجار.
فضلت ماشية فيه من غير ما تنتبه.
ولما أدركت إنها ابتعدت وحاولت ترجع...
ما عرفتش الطريق.
كل الأشجار بقت شبه بعضها.
والضباب بدأ يزيد.
حاولت ترجع من نفس الاتجاه.
لكنها ضاعت أكتر.
وبعدين...
وقعت.
رجلها اتلوت تحت جسمها.
وسمعت صوت فرقعة واضحة من عند الكاحل.
الألم كان شديد لدرجة إنها للحظات ما قدرتش تتحرك.
لكنها كانت لسه معاها موبايلها.
حاولت تطلب مساعدة.
وبسبب ضعف الشبكة والبطارية...
الموبايل انتهى تمامًا.
وبعدها...
بدأ الليل.
ودرجة الحرارة نزلت.
مريم قالت
بدأت أزحف.
ما كانتش قادرة تمشي على رجلها.
فبدأت تتحرك
بإيديها وركبتها.
سنتيمترات...
وبعدين أمتار.
تقف ترتاح.
وبعدين تزحف تاني.
في الأول...
كانت لسه حاسة بابنها بيتحرك جوا بطنها.
ركلة هنا.
حركة هناك.
وكانت كل حركة بتديها سبب إنها تكمل.
لكن مع زيادة البرد...
حصل الشيء اللي رعبها.
حركة الطفل بدأت تقل.
مريم سكتت للحظة.
غمضت عينيها.
وقالت
كل شوية كنت بحس بيه أقل.
سعاد فضلت ساكتة وهي بتسمعها.
مريم حطت إيدها فوق بطنها.
وقتها فهمت إني ممكن أموت.
وسكتت ثواني.
وبعدين
أنا ممكن أموت... لكن هو مالوش ذنب في أي حاجة من دي.
فضلت تزحف.
والليل حواليها كان ظلام كامل.
لحد ما بعد ساعات...
إيدها لمست حاجة.
شيء غريب.
كان دافي.
في الأول ما فهمتش إيه ده.
حركت إيدها على التراب.
وبعدين بدأت تتحسس شكل الكومة الكبيرة اللي قدامها.
وفجأة...
افتكرت.
عش نمل.
وفي اللحظة دي، كلام جدتها رجع في دماغها.
لما الغابة تبرد... بعض المستعمرات الكبيرة بيفضل جواها دفء.
مريم قالت
وقتها ما فكرتش كتير.
ما كانش قدامها اختيارات أصلًا.
قربت جسمها من العش.
وبدأت تتحسس المناطق المحيطة بيه.
لحد ما لقت جزءًا حرارته أعلى نسبيًا.
فاتمددت جنبه.
وخدت وضع يخلي بطنها ملاصقة تقريبًا للجزء الأكثر دفئًا من العش.
سعاد بصت ناحية المكان.
والنمل؟
مريم ابتلعت ريقها بصعوبة.
في الأول ظهر كام نملة بس.
بدأوا يمشوا فوق هدومها.
على رجلها.
على الجاكيت.
وعلى دراعها.
مريم كانت مرعوبة.
قالت
كنت عايزة أقوم وأبعدهم... بس افتكرت كلام جدتي.
كانت تعرف إن العبث بعش النمل أو ضربه بعنف ممكن يحولها فورًا لتهديد بالنسبة للمستعمرة.
لكن لو فضلت ثابتة...
وما حاولتش تدمر العش...
يمكن ما يهاجموهاش.
ففضلت مكانها.
من غير حركة تقريبًا.
بعد شوية...
عدد النمل زاد.
عشرات.
وبعدين مئات.
وبعدها...
بدأ يحصل شيء مريم نفسها ما كانتش قادرة تفسره.
النمل بدأ ينقل مواد.
إبر صنوبر.
قطع نباتات.
ألياف صغيرة.
فتافيت من لحاء الأشجار.
وبدأ يحركها ويجمعها حوالين الجزء الدافي من جسمها.
خصوصًا ناحية البطن.
مريم ما كانتش تعرف إذا كان النمل بيتفاعل مع حرارة جسمها...
ولا وجود جسم غريب بجوار المستعمرة غيّر توزيع الحرارة داخل العش...
ولا إن النمل ببساطة كان بيعيد تنظيم المواد اللي اتحركت بسبب التصاق جسمها بجانب المستعمرة.
هي ما
كانتش تعرف التفسير.
لكن كان فيه شيء واحد متأكدة منه.
حست بيه بنفسها.
بطنها بطلت تبرد بنفس سرعة باقي جسمها.
وبعد فترة...
حصلت المعجزة بالنسبة لها.
قالت مريم، ودموعها بدأت تنزل
ابني اتحرك تاني.
سعاد رفعت إيدها وحطتها على بوقها من شدة التأثر.
مريم كملت
أول ما حسيت بيه بيرفس... عرفت إني لازم أفضل هنا.
تقريبًا ليلتين...
مريم فضلت ملتصقة بجوار عش النمل.
جسمها بيضعف.
رجلها بتوجعها.
البرد بيزيد.
والمية خلصت.
كانت بتحاول تجمع قطرات الرطوبة اللي متكونة فوق الأوراق وتشرب منها.
قطرة ورا