أعادها والدها إلى العراق بعد أن وعدها بالأمان… لكن ما كان ينتظر زينب بعد عودتها غيّر حياتها إلى الأبد!
المحتويات
غضبتِ.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
أنا لم أهرب لأنني غضبت.
صمت.
تابعت
وأنت تعرف ذلك.
جاء والد زينب من الداخل.
ليس أمام الطفل.
قالت زينب
جيد. إذن دعوه يبقى معي.
تبادل الرجال النظرات.
وفي النهاية، وافق حيدر على أن يبقى الطفل حتى المساء.
بالنسبة إلى زينب، كانت تلك الساعات أثمن من كل ما امتلكته في حياتها.
أطعمته بيديها.
جلست تستمع إليه وهو يخبرها عن أيامه.
اكتشفت أنه أصبح يحب الرسم.
وأنه يخاف النوم وحده.
وأنه كان يسأل عنها كل ليلة.
وعندما قال لها
جدتي قالت إنك لا تريدينني.
توقفت يد زينب.
من قال لك ذلك؟
خفض الطفل رأسه.
قالت إن أمي ذهبت وتركتني.
شعرت زينب بشيء ينكسر داخلها.
رفعت وجه ابنها بين يديها.
اسمعني جيدًا. أنا أحبك أكثر من أي شيء في الدنيا.
لماذا لم تأخذيني معك؟
لم يكن لديها جواب يستطيع طفل صغير فهمه.
احتضنته.
سامحني.
في المساء، جاء حيدر لأخذه.
رفض الطفل.
بكى وتعلق بثوب أمه.
قال
أريد أن أبقى هنا!
كادت زينب ترفض تسليمه.
لكنها رأت الخوف في عينيه.
لم ترد أن تجعل الطفل ساحة خلاف.
انحنت أمامه.
اذهب اليوم، وسأراك قريبًا.
وعد؟
وعد.
خرج الطفل.
وقفت زينب عند الباب حتى اختفت السيارة.
ثم عادت إلى الداخل.
كان والدها جالسًا.
قال دون أن ينظر إليها
رأيتِ الآن. الطفل يحتاج إلى أمه وأبيه.
أجابته
يحتاج إلى بيت هادئ.
وبيته مع أبيه.
وحقه أن يكون مع أمه أيضًا.
نظر إليها والدها.
لأول مرة، كان في صوتها شيء لم يسمعه من قبل.
لم يكن خوفًا.
ولم يكن رجاءً.
كان قرارًا.
قال
ماذا تنوين؟
أجابت
سأعرف حقوقي.
ضحك باستخفاف.
حقوقك؟
نعم.
ومن سيقف معك؟
نظرت إليه.
ثم قالت
إن لم يقف معي أحد سأقف مع نفسي.
في صباح اليوم التالي، خرجت زينب من المنزل دون أن تخبر أحدًا إلى أين تذهب.
كانت تحمل حقيبتها الصغيرة وهاتفها وبعض الأوراق التي احتفظت بها طوال السنوات الماضية.
ذهبت إلى مركز يقدم استشارات أسرية وقانونية
وقفت أمام الباب طويلًا.
كادت تعود.
فطوال حياتها، تعلمت أن مشاكل البيت يجب أن تبقى داخل البيت.
وأن طلب المساعدة عيب.
وأن المرأة الجيدة تصبر.
لكنها تذكرت ابنها.
فدخلت.
استقبلتها موظفة اسمها سارة.
كانت في منتصف الثلاثينيات تقريبًا، وتحدثت معها بهدوء.
قالت
أخبريني من البداية.
بدأت زينب تتحدث.
في البداية كانت كلماتها متقطعة.
ثم خرج كل شيء.
زواجها وهي صغيرة.
سنوات الخلاف.
محاولاتها للعودة إلى والدها.
سفرها.
ابنها.
ووعد والدها الذي أعادها إلى العراق.
استمعت سارة حتى النهاية دون أن تقاطعها.
ثم قالت
أول شيء يجب أن تعرفيه هو أنك لست مضطرة لاتخاذ قرار اليوم.
نظرت إليها زينب.
لم تكن معتادة على سماع ذلك.
لست مضطرة.
منذ طفولتها، كان الآخرون يتخذون القرارات عنها.
قالت
أريد ابني.
أفهم.
ولا أريد العودة إلى الحياة نفسها.
إذن نبدأ من هنا.
ساعدتها سارة على فهم الخيارات القانونية المتاحة لها، وأوضحت لها أن وضع الطفل والأسرة لا يُحسم بالصراخ أو بقرارات الأقارب، وأن هناك إجراءات رسمية يجب اتباعها.
خرجت زينب بعد ساعتين.
كانت المشكلة لا تزال موجودة.
لكن شيئًا تغير.
للمرة الأولى، أصبحت تعرف أن أمامها طريقًا آخر غير الهرب أو الاستسلام.
عادت إلى المنزل.
كان والدها ينتظرها.
أين كنتِ؟
قالت
في مكان أحتاج إليه.
سألتك أين.
أخذت استشارة.
تغير وجهه.
استشارة ماذا؟
بخصوص حياتي وابني.
وقف.
ذهبتِ إلى غرباء لتتحدثي عن عائلتك؟
ذهبت لأعرف ماذا أستطيع أن أفعل.
ومن سمح لك؟
توقفت زينب.
ثم نظرت إليه بثبات.
أنا.
ساد الصمت.
ربما كانت كلمة بسيطة.
لكنها كانت أول مرة في حياتها تقولها له بهذا الشكل.
أنا.
أنا قررت.
أنا ذهبت.
أنا أريد.
اقترب والدها.
لا تجلبي لنا المشاكل.
أنا لا أريد مشاكل.
إذن عودي إلى زوجك.
هزت رأسها.
لا.
زينب!
قلت لا.
حدق فيها والدها وكأنه يراها لأول مرة.
الفتاة التي كان يكفي أن يرفع صوته
قال
ومن سيصرف عليك؟
أجابت
سأعمل.
ضحك.
أنتِ؟
نعم.
ماذا تعرفين عن العمل؟
كان السؤال مؤلمًا.
لأنها بالفعل لم تعرف.
لم يسمح لها أحد بأن تتعلم بما يكفي.
لم يمنحها أحد فرصة لتجربة شيء.
لكنها قالت
سأتعلم.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
وفي اليوم التالي، بدأت تبحث.
لم تجد عملًا بسهولة.
رفضها مكان.
ثم مكان آخر.
وفي المكان الثالث، سألتها صاحبة محل خياطة
هل تعرفين الخياطة؟
قالت زينب
قليلًا.
كانت والدتها قد علمتها بعض الأساسيات قبل سنوات.
جلست أمام ماكينة الخياطة.
أعطتها المرأة قطعة قماش وطلبت منها إصلاح طرفها.
كانت يدا زينب ترتجفان.
لكنها فعلت.
نظرت صاحبة المحل إلى عملها.
ليس ممتازًا.
انخفض رأس زينب.
ثم أضافت
لكنه ليس سيئًا أيضًا. إذا أردتِ أن تتعلمي، تعالي غدًا.
رفعت زينب عينيها.
يعني أعمل؟
تتدربين أولًا. وإذا أثبتِّ نفسك، تعملين.
خرجت زينب من المحل وهي تكاد لا تصدق.
لم يكن راتبًا كبيرًا.
ولم يكن منصبًا مهمًا.
لكن بالنسبة إليها، كان أول باب تفتحه بيدها.
بدأت العمل.
كانت تصل مبكرًا.
وتغادر متأخرة.
تتعلم بسرعة.
بعد أسابيع، أصبحت قادرة على تنفيذ تعديلات كاملة على الملابس.
ثم بدأت تحصل على أجر بسيط.
أول مرة أمسكت فيها المال الذي كسبته بنفسها، بقيت تنظر إليه طويلًا.
اشترت لابنها دفتر رسم وألوانًا.
وعندما رأته في الموعد التالي، أعطته الهدية.
فتحها وفرح.
قال
أنتِ اشتريتها لي؟
ابتسمت.
من عملي.
نظر إليها بإعجاب.
أنتِ تعملين؟
نعم.
ماذا تعملين؟
أتعلم الخياطة.
قال الطفل
عندما أكبر سأشتري لك ماكينة كبيرة.
ضحكت زينب.
كانت أول ضحكة حقيقية تخرج منها منذ زمن.
وصل الخبر إلى حيدر.
وفي مساء ذلك اليوم، انتظرها أمام محل الخياطة.
خرجت زينب فوجدته واقفًا.
توقفت.
قال
أصبحتِ تعملين؟
نعم.
دون أن تخبريني؟
لم أعد بحاجة إلى إذنك كي أعمل.
اقترب خطوة.
أنتِ ما زلتِ زوجتي.
أجابت
ونحن سنحل ذلك بالطريق الرسمي.
تغيرت ملامحه.
من يملأ رأسك بهذا الكلام؟
لا أحد.
ثم أضافت
لأول مرة، أنا التي أملأ رأسي بأفكاري.
لم تعجبه الإجابة.
لكنها لم تدخل معه في جدال.
واصلت طريقها.
قال خلفها
والولد؟
توقفت.
استدارت.
ماذا عنه؟
إذا استمريتِ بهذا الطريق، لا تتوقعي أن أجعل الأمور سهلة.
شعرت بالخوف.
لكنها لم تظهره.
قالت
وأنا لا أطلب منك أن تجعلها سهلة. أطلب أن تكون عادلة.
ثم رحلت.
مرت أسابيع.
تحولت إلى أشهر.
وببطء، بدأت حياة زينب تتغير.
لم يحدث ذلك بمعجزة.
ولم تستيقظ يومًا لتجد كل مشاكلها اختفت.
كانت هناك أيام تبكي فيها.
وأيام تشعر فيها بالخوف.
وأيام تتساءل إن كان الهرب مرة أخرى أسهل.
لكنها في كل مرة كانت تتذكر شيئًا واحدًا
هذه المرة، إذا هربت، فهي لا تهرب من حيدر فقط.
بل من الحياة التي بدأت تبنيها بنفسها.
واصلت عملها.
وأصبحت ترى ابنها وفق ترتيبات أكثر انتظامًا أثناء متابعة الإجراءات الأسرية.
وكان الطفل يتغير هو الآخر.
أصبح أكثر هدوءًا.
وفي كل مرة يراها، كان يسألها
متى سأبقى معك أكثر؟
فتجيبه
قريبًا، إن شاء الله.
وفي أحد الأيام، اتصلت بها سارة.
زينب، أريدك أن تأتي إلى المركز.
شعرت بالخوف.
هل حدث شيء؟
لا. هناك شيء أريد أن أتحدث معك بشأنه.
ذهبت.
وضعت سارة أمامها ملفًا.
هل فكرتِ في إكمال تعليمك؟
ضحكت زينب من المفاجأة.
تعليمي؟
نعم.
أنا؟
لماذا لا؟
نظرت إلى الأوراق.
لم تعرف ماذا تقول.
قالت
فاتني الكثير.
هذا لا يعني أن كل شيء انتهى.
أخذت زينب الملف معها.
وفي تلك الليلة، بقيت تقرأ الأوراق حتى وقت متأخر.
كانت هناك فرص لاستكمال الدراسة والتدريب.
للمرة الأولى، سمحت لنفسها أن تتخيل مستقبلًا لا يكون عنوانه فقط
زوجة فلان.
ابنة فلان.
أم فلان.
بل
زينب.
بعد عام تقريبًا، كانت تقف أمام محل صغير.
لم يعد المحل الذي تدربت فيه.
كان مكانًا آخر.
أصغر بكثير.
فوق بابه لوحة بسيطة.
لم
لكن الاسم المكتوب عليها جعل عينيها تمتلئان بالدموع
خياطة زينب
ساعدتها صاحبة المحل القديمة في البداية.
وقالت لها
كنتِ تحتاجين فقط إلى شخص يقول لك إنك تستطيعين.
ابتسمت زينب.
كنت أحتاج أولًا أن أصدقها أنا.
بدأ المحل بآلة خياطة واحدة.
ثم اثنتين.
وبعد أشهر، أصبحت معها فتاة أخرى تساعدها.
لم
متابعة القراءة