أعادها والدها إلى العراق بعد أن وعدها بالأمان… لكن ما كان ينتظر زينب بعد عودتها غيّر حياتها إلى الأبد!
عادت زينب إلى العراق وهي تحمل في قلبها شيئًا لم تشعر به منذ سنوات طويلة.
الأمل.
كانت طوال الطريق تقنع نفسها بأن هذه المرة ستكون مختلفة.
والدها هو من طلب منها العودة.
هو من طمأنها.
وهو من قال لها بوضوح إنها ستكون بأمان.
ظلت تلك الكلمات تتردد في رأسها منذ اللحظة التي غادرت فيها تركيا
عودي يا ابنتي لن يجبرك أحد على شيء هذه المرة.
كانت تريد أن تصدقه.
بل كانت بحاجة إلى أن تصدقه.
فمهما حدث بينها وبين والدها، بقي في داخلها ذلك الجزء الصغير من الفتاة ذات الثانية عشرة عامًا، التي كانت تنتظر يومًا أن يضع والدها يده على رأسها ويقول لها
أنا معك.
وحين وصلت إلى العراق، كان أول شيء فكرت فيه هو ابنها.
اشتاقت إليه بصورة لم تستطع وصفها.
كانت الأيام التي قضتها بعيدًا عنه أثقل من كل شيء آخر.
وفي اللحظة التي اقتربت فيها السيارة من منزل عائلتها، بدأت يداها ترتجفان.
نظرت من النافذة.
الشوارع مألوفة.
البيوت مألوفة.
حتى رائحة المكان أعادتها سنوات إلى الوراء.
لكن شيئًا في داخلها كان يقول إن زينب التي غادرت العراق ليست هي نفسها التي عادت إليه الآن.
توقفت السيارة.
نزلت وهي تحمل حقيبة صغيرة لم يكن فيها سوى بعض الملابس وأشياء بسيطة اشترتها أثناء وجودها في تركيا.
كان والدها ينتظرها عند الباب.
توقفت أمامه.
لم تعرف ماذا تقول.
أما هو، فنظر إليها طويلًا.
ثم قال
الحمد لله على سلامتك.
كادت تبكي من سماعها.
لم تتذكر آخر مرة قال لها والدها كلمات بهذه البساطة والهدوء.
اقتربت منه.
الله يسلمك يا أبي.
فتح الباب وأشار إليها بالدخول.
كانت تتوقع أن تجد حيدر في الداخل.
لكنها لم تره.
تنفست براحة.
أول سؤال خرج منها كان
أين ابني؟
نظر والدها إليها، ثم قال
بخير.
أريد رؤيته.
سترينه.
توقفت.
متى؟
رفع عينيه إليها.
اجلسي أولًا. لقد
لم يعجبها الجواب.
لكنها قالت لنفسها إنها متوترة فقط.
دخلت إلى الغرفة القديمة التي عاشت فيها قبل زواجها.
كان كل شيء تقريبًا كما تركته.
النافذة الصغيرة.
الخزانة الخشبية.
والمرآة المعلقة على الجدار.
وضعت حقيبتها على الأرض وجلست على طرف السرير.
للمرة الأولى منذ وصولها، شعرت بشيء من القلق.
لماذا لم يكن ابنها هنا؟
ولماذا لم يسمح لها والدها برؤيته فورًا؟
بعد دقائق، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
دخلت زوجة عمها تحمل كوبًا من الشاي.
وضعت الكوب أمامها، ثم جلست.
نظرت إليها زينب.
خالتي، أين ابني؟
ترددت المرأة.
وكان ترددها كافيًا ليجعل قلب زينب ينقبض.
عند أبيه.
حيدر؟
أومأت المرأة.
نهضت زينب فورًا.
سأذهب إليه.
لكن زوجة عمها أمسكت بيدها.
انتظري.
لماذا؟
أبوكِ قال إنكِ متعبة من السفر.
سحبت زينب يدها برفق.
أنا لم أعد من تركيا حتى أنام. عدت لأرى ابني.
ساد الصمت.
ثم قالت المرأة
ستشاهدينه يا ابنتي. فقط لا تستعجلي.
خرجت وتركت زينب وحدها.
في تلك اللحظة بدأ الأمل الذي عادت به يتصدع قليلًا.
انتظرت حتى المساء.
ثم سمعت أصوات رجال في الخارج.
اقتربت من الباب.
عرفت صوت والدها.
وكان معه صوت آخر تعرفه أكثر مما تريد.
حيدر.
تجمدت.
بقيت واقفة خلف الباب تستمع.
لم تستطع سماع كل الكلام.
لكنها التقطت جملة قالها والدها
دع الأمور تمشي بهدوء.
ورد حيدر
أنا وافقت لأنها أم ابني.
شعرت زينب بأن قلبها بدأ يدق بسرعة.
فتحت الباب وخرجت.
كان الاثنان جالسين في الغرفة.
وما إن رآها حيدر حتى توقف عن الكلام.
بقيت تنظر إليه.
مرت شهور منذ آخر مرة رأته فيها، لكنها شعرت للحظة وكأن السنوات كلها عادت دفعة واحدة.
قالت
أين ابني؟
أجاب حيدر
بخير.
أريد أن أراه.
ستشاهدينه.
رفعت صوتها قليلًا
الجميع يقول لي ستشاهدينه. أريد ابني الآن.
نظر
اخفضي صوتك.
التفتت إليه.
أبي، أنت قلت لي إنني إذا عدت سأكون بأمان.
وأنتِ بأمان.
إذن أين ابني؟
قال حيدر
في بيت أمي.
استدارت نحوه.
أحضره.
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تطمئنها.
بهذه السهولة؟
شعرت زينب بأن شيئًا ما ليس صحيحًا.
ماذا تقصد؟
لم يجب.
نظر إلى والدها.
عندها فهمت زينب أن الحديث الذي دار بينهما قبل خروجها لم يكن حديث رجلين ينتظران عودة امرأة إلى أهلها.
كان هناك اتفاق.
قالت ببطء
أبي ماذا يحدث؟
تنهد والدها.
لا شيء يحدث. نريد فقط أن نحل المشكلة.
أي مشكلة؟
مشكلتك مع زوجك.
تراجعت خطوة.
لا توجد مشكلة أريد حلها. أنا عدت لأنك قلت إنك ستقف معي.
وسأقف معك.
إذن أخبره أنني لن أعود إليه.
ساد الصمت.
نظر حيدر إلى والدها.
أما زينب، فكانت تنتظر الجواب.
لكن والدها لم يقله.
وهنا فقط أدركت الحقيقة.
لم تكن عودتها بداية حياة جديدة.
كانوا يريدون إعادة كل شيء إلى ما كان عليه.
قالت
أنت وعدتني.
أجاب والدها
وعدتك أنك ستكونين بأمان.
وقلت إن أحدًا لن يجبرني على شيء.
وأنا لا أجبرك. أطلب منك التفكير بعقلك. لديك طفل. هل تريدين أن يكبر بعيدًا عن أمه؟
وصلت الجملة إلى أضعف مكان في قلبها.
قالت
لا تستخدم ابني ضدي.
أنا لا أستخدمه ضدك.
لكن حيدر تدخل
إذا أردتِ أن تعيشي مع ابنك، فمكانه في بيتي.
نظرت إليه زينب.
وابني أيضًا ابني.
لم أقل غير ذلك.
إذن دعني آخذه.
هز رأسه.
لا.
كانت كلمة واحدة.
لكنها أوضحت كل شيء.
التفتت زينب إلى والدها.
هل كنت تعرف؟
لم يجب.
هل كنت تعرف أنه سيقول هذا؟
قال والدها
حيدر والد الطفل، والأفضل للجميع أن تهدأ الأمور.
ضحكت زينب ضحكة قصيرة لم يكن فيها شيء من الفرح.
إذن لهذا طلبت مني العودة؟
طلبت منك العودة لأنك ابنتي.
لا.
هزت رأسها.
لو كنت تريدني لأنني ابنتك، لكان ابني ينتظرني عند
نهض والدها.
يكفي.
لكنها لم تصمت هذه المرة.
طوال حياتي كنت تقول لي اصبري. عندما كنت صغيرة قلت لي اصبري. عندما طلبت منك مساعدتي قلت لي اصبري. وعندما هربت لأنني لم أعد أستطيع الاحتمال، اتصلت بي وقلت عودي.
اقتربت منه.
عدت يا أبي.
ثم أشارت إلى حيدر.
فوجدته ينتظرني هنا.
لم يجد والدها جوابًا.
أما حيدر فوقف وقال
سأعود غدًا. عندما تهدأ ستفهم.
نظرت إليه زينب.
لن أعود معك.
لم يرد.
غادر المنزل.
وبقيت زينب واقفة أمام والدها.
قالت
أريد ابني.
غدًا.
الآن.
قلت غدًا.
ثم خرج هو الآخر.
عادت زينب إلى غرفتها وأغلقت الباب.
جلست على الأرض وأسندت ظهرها إلى السرير.
للمرة الأولى منذ عودتها، بكت.
لكنها لم تبكِ لأنها ندمت على العودة.
بكت لأنها اكتشفت أنها صدقت الوعد الذي كانت تتمنى سماعه أكثر مما صدقت الواقع.
في صباح اليوم التالي، استيقظت على صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
نهضت بسرعة.
فتحت النافذة.
كان حيدر.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
نزلت والدته من السيارة.
ثم فُتح الباب الخلفي.
ورأت زينب طفلها.
نسيت كل شيء.
ركضت خارج الغرفة.
نزلت إلى المدخل بسرعة.
وما إن رآها الطفل حتى صاح
أمي!
توقفت الدنيا عند تلك الكلمة.
انحنت زينب وفتحت ذراعيها.
ركض الطفل إليها.
احتضنته بقوة.
قبّلت شعره ووجهه ويديه.
حبيبي حبيبي.
بكى الطفل.
وبكت معه.
حتى حيدر بقي صامتًا.
جلست زينب وهي تحمل ابنها في حضنها، وكأنها تخشى أن يأخذه أحد منها إذا تركته للحظة.
قال لها الطفل
لماذا ذهبتِ؟
لم تعرف كيف تجيب.
قالت
كنت مضطرة يا حبيبي.
هل ستذهبين مرة ثانية؟
نظرت إلى وجهه.
لن أتركك بإرادتي مرة أخرى.
رفع حيدر رأسه عند سماع الجملة.
لكنه لم يقل شيئًا.
بعد قليل، طلبت والدته من الطفل أن يأتي إليها.
تعلق بزينب.
أريد أن أبقى مع أمي.
قالت زينب
سيبقى معي.
أجاب حيدر
اليوم فقط.
نظرت إليه.
ماذا؟
قلت إنك سترينه. رأيته.
وقف الطفل بينهما لا يفهم شيئًا.
اقتربت زينب من حيدر وقالت بصوت منخفض
لا تتحدث عن هذا أمامه.
إذن كوني عاقلة.
ابني ليس وسيلة لإجباري على العودة.
قال حيدر
وأنا لن أعيش حياتي وأنتِ تهربين كلما