خطة حماتي حكايات زهرة حصري
سنين طويلة، لقيت الباب بيخبط. فتحت لقيت الحاجة حكمة.. كبرت في السن، ظهرها اتنحنى، وعينيها اللي كانت بتطلع شرار بقت مطفية ومكسورة. بصت لي بصة رجاء وقالت بصوت متهدج سامحيني يا هدى.. أنا أخدت عقابي في الدنيا قبل الآخرة، حسن حاله اتقلب وغادة سابته ومشيت، وبقيت
عليلة ومحدش يخدمني.
بصيت لها طويلًا.. افتكرت ليلة ما رمتني في الشارع، وافتكرت كسرة قلبي على بناتي. بس افتكرت كمان إن ربنا جابلي حقي وزيادة، وإن التسامح شيمة الأقوياء.
مسكت إيدها ودخلتها الشقة، قعدتها وجمعت بناتي وقالتلهم سلموا على سيتكم.. وسبوها ترتاح.
الحاجة حكمة بكت بكاء حار، وحطت إيدها على دماغي وقالت أنتِ طلعتِ أصيل وأنا طلعت ظالمة.. ربنا يبارك لك في بناتك يا بنت الأصول.
وعرفت ساعتها إن الصبر مفتاح الفرج، وإن اللي يسلم أمره لربنا، ربنا ما بيكسروش أبداً، والمركب اللي كنت فاكرة إنها غرقت، ربنا قادها لبر الأمان بكرمه وعدله
فوتت السنين والتجربة علّمتني إن الحق لما بيرجع، ما بيرجعش بس بأوراق المحكمة، ده بيرجع لما تبص في عين اللي ظلمك وتلاقيه مكسور بالعين والذنب.
الحاجة حكمة قعدت على الكنبة في صالوني، إيديها بتترعش وهي ماسكة كوباية المية اللي مدتهالها بنتي الكبيرة شهد. شهد اللي كانت زمان طفلة بتبكي ومحبوسة ورا الباب، كبرت وبقت دكتورة قد الدنيا، واقفة
قعدت قدامها وقولتلها يا حاجة، أنا نسيت الوجع، مش عشان خاطرك، لكن عشان خاطر سيد الله يرحمه وعشان خاطر بناتي ما يشيلوش في قلوبهم سواد يمرر عيشتهم. بس قولي
لي.. كان إيه الفايدة من ده كله؟
دموعها نزلت على خدودها المتجعدة، ونكست رأسها في الأرض وقالت بصوت مجروح الجهل والطمع يا هدى.. كنت فاكرة إني لما أربط حسن بدبورة غادة وأطردك، إني كده بحافظ على بيت ابني وماله تحت إيدي. مكنتش عارفة إني بخرّب البيت بيدي. حسن مكنش راجل حمل مسؤولية بيت تاني، وغادة كانت صغيرة وطمعانة في راحة البال، أول ما القرش قل والحال اتضايق، شالت عيالها وسابت له البيت ورجعت لأهلها تطالب بنفقة وطلاق!
سكتت شوية واسترجعت الشريط.. حسن أخو جوزي اللي وافق زمان يرميني في الشارع عشان يرضي أمه، حاله اتقلب حال. التجارة اللي سابها المرحوم سيد كانت محتاجة راجل شاطر يراعي ربنا ويصون اللقمة، لكن حسن كان بيصرف من الكسبان ومن غير حساب، لحد ما الديون ركبته واضطر يبيع نصيبه في المحل الصحراوي عشان يسدد للناس، وبقى شغال باليومية عند اللي كانوا زمان خدامين عنده! وشيرين مراته الأولى اللي فرحت فيا لما انطردت، أكلت النكد أشكال وألوان لما حسن اتجوز عليها، ولما الفقر دخل من الباب، الود طار من الشباك وبقت العيشة بينهم
أما سحر أخت حسن الصغيره، اللي شهدت عليا زور وقالت إني تنازلت عن بناتي وعفشي، ربنا رزقها بجوز قاسي، شربها من نفس الكأس، وأخد
حاجتها ورمى لها ورقتها، ورجعت قعدت جنب أمها مكسورة الجناح.
أنا بقى.. في الأيام الأولى بعد ما أخدت الشقة بحكم المحكمة، الشارع كله كان بيبص لي بنظرة استغراب؛ حزمة حريم من غير راجل في بيت عيلة. بس أنا مكنتش فاضية لكلام الناس. كنت بصحى من الفجر، أطبخ وأجهز صواني الأكل البيتي محشي، ومكرونة بشاميل، وفطير مشلتت. محمود أخويا كان ياخد مني الشغل ويوصله للمحلات والمكاتب في البندر.
اللقمة الحلال فيها بركة عجيبة.. المشروعات الصغار كبرت، والزبائن زادت، وبدل ما كنت بشتغل لوحدي في المطبخ، أأجرت محل صغير تحت العمارة وشغّلت معايا اتنين ستات من المطلقات والأرامل اللي مظلومين زيي. بقيت أدخل قرشي بعرقي، وبناتي شايفين أمهم بتموت نفسها عشانهم، فكانوا بيذاكروا على ضوء الشمعة لما النور يقطع عشان يفرحوني.
شهد دخلت كلية الطب والتفوق كان رفيقها، ومريم الصغيره دخلت هندسة ديكور. البيت اللي الحاجة حكمة كانت فاكرة إنه هيتهد من غير راجل، بقى أمن وأهدى بيت في السكة كلها، وصوته عامر بالقرآن والضحكة الصافية.
الحاجة حكمة بصت حواليها في الشقة، كانت الشقة نظيفة، العفش اللي كانت عايزة تسرقه مني متلمع ومترتب،
أهلك مش هيقفوا لك، بس طلعتِ أقوى مننا كلنا.. القانون أدَاكِ حقك، بس أدبك وعفتك هما اللي أدوا لك القيمة في عيون البلد كلها. حسن ابني مسجون يا هدى في وصلات أمانة، وشيرين قاعدة في الشقة اللي تحت ومش راضية تطل طلّة عليا ولا تجيب لي لقمة أكلها!
قمت من مكاني، دخلت المطبخ وعملت لها صينية أكل سخنة، وحطيت قدامها علاجها اللي كانت ناسيته. بصيت لها وقولت حسن غلط في حقي وحق عيال أخوه، بس هو في النهاية عم بناتي.. ومحمود أخويا هيروح بكرة للمحامي يشوف وصلات الأمانة كام، ولو ربي قدرنا هنساعد في فك كربته عشان خاطر ربنا وعشان عياله.
الحاجة حكمة شهقت بالبكاء، ومسكت إيدي باستها وهي بتقول يا كبر قلبك يا هدى! يا بخت سيد بيكِ ويا بخت بناتك.. أنا كنت عمياء، بس ربنا نور بصيرتي على آخر أيامي.
في الليلة دي، عرفت إن النصر الحقيقي مش إنك تشوف اللي ظلمك تحت جزماتك، النصر الحقيقي إنك تعلى وتكبر لحد ما اللي ظلمك
يشوفك في السحاب، ويسأل نفسه إزاي أنا أذيت جوهرة زي دي؟
المركب اللي حاولت الحاجة حكمة تغرقها في بحر الظلم والاهانة، ربنا بعتلها موج العدل ورحمة الصبر، ومشيت بيا وببناتي لحد ما وصلنا لبر الأمان.. والحمد لله، حق مظلوم ما بيضيعش أبداً طالما صاحبه واقف على رجليه
وواثق