يوم الفرح

لمحة نيوز

اتغيرت ملامحه.

بص ناحية الفيلا، وبعدين رجع بصلي.

— تقصدي إيه؟

فتحت باب العربية.

قرب مني بسرعة وقال:

— استني… إيه اللي جاي؟ إنتِ عملتي إيه؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة من غير ما أجاوبه.

لأن الحقيقة إن اللي حصل ما كانش قرار لحظة غضب.

أنا كنت شاكة من أول يوم.

من أول نظرة حسيت فيها إني مش داخلة بيت عيلة عادية، لكن داخلة مكان كل واحد فيه متعود إن كلامه يتنفذ، وإن أي شخص أضعف منه لازم يسكت.

ومن ليلة الفرح، كنت مجهزة نفسي.

شنطتي الأساسية كانت في العربية.

أوراقي.

حاجاتي المهمة.

كل شيء ممكن أحتاجه لو اضطررت في لحظة إني أمشي من غير ما أرجع أخد حاجة.

في البداية كنت بلوم نفسي.

كنت بقول:

"إنتِ ليه متشائمة؟"

لكن الأيام اللي بعدها أثبتتلي إن إحساسي ما كانش غلط.

ركبت العربية.

هو فضل واقف جنب الباب.

— أرجوكِ متعمليش كده. إحنا ممكن نبدأ من جديد.

بصيتله للمرة الأخيرة.

— البداية الجديدة محتاجة شخص يعترف بغلطه، مش شخص يرميه على أمه وأخته.

قفلت الباب.

شغلت العربية.

وفي المراية، شوفته واقف مكانه، مش عارف يرجع لأهله ولا يكمل ورايا.

أما أنا، فمبصتش ورايا تاني.

لأني كنت عارفة إن في لحظات في الحياة، لو رجعت فيها خطوة واحدة للخلف، ممكن تفضل ترجع طول عمرك.

سقت بعيد عن الفيلا.

وكل ما المسافة كانت بتزيد بيني وبين المكان، كنت بحس إن حملًا تقيلًا بيتشال من فوق صدري.

الغريب إني ما كنتش فرحانة.

وما كنتش حاسة بانتصار.

كنت هادية.

هدوء واحدة أخيرًا عرفت إنها عملت الصح لنفسها.

ما كانش انتقام.

كان حق.

حق إني

أرفض الإهانة.

حق إني أختار المكان اللي أعيش فيه والناس اللي أسمح لهم يكونوا جزءًا من حياتي.

وحق إني أمشي في اللحظة اللي يتحول فيها البيت اللي المفروض يكون أمان إلى مكان أفقد فيه كرامتي.

مرت الأيام الأولى ببطء.

جوزي حاول يتصل بيا عشرات المرات.

مرة باعتذار.

ومرة بلوم.

ومرة بكلام عن إن "البيوت فيها مشاكل".

ومرة برسالة طويلة بيقول فيها إننا لازم منخليش لحظة غضب تهدم حياتنا.

لكن بالنسبة لي، الموضوع ما كانش لحظة.

اللحظة كانت مجرد آخر نقطة.

بعدها بأسبوع، بدأت الأخبار توصلهم.

التحقيقات بدأت في الشركة.

ملفات اتفتحت.

مستندات اتراجعت.

وحسابات كانوا فاكرين إن محدش هيسأل عنها بدأت تتراجع واحدة واحدة.

الفيلا اللي كانوا بيتباهوا بيها قدام الناس، واللي كانت بالنسبة لهم رمز للنفوذ والقوة، بقت فجأة مكانًا بتيجي له الجهات الرقابية وتخرج منه وهي شايلة ملفات وأوراق.

اختفت الضحكات العالية.

اختفى الكلام عن المعارف.

واختفت الجملة اللي كنت بسمعها منهم باستمرار:

— إحنا محدش يقدر علينا.

لأن الواقع أثبت لهم إن مفيش حد فوق المساءلة.

جوزي وأهله، اللي كانوا بيتعاملوا مع الناس كأنهم أعلى منهم، لقوا نفسهم لأول مرة مضطرين يجاوبوا على أسئلة ما يقدروش يهربوا منها.

حماتي اللي كانت بتصدر الأوامر طول الوقت، بقت هي اللي بتسأل:

— هنعمل إيه؟

وأخته اللي كانت بتضحك وتقول إن كل حاجة ممكن تتحل بالمعارف، بدأت تفهم إن في مواقف لا الاسم بينفع فيها ولا المظاهر.

أما جوزي، فكان أكتر واحد ضايع بينهم.

لأنه في أيام قليلة خسر الصورة

اللي كان شايف نفسه فيها.

وخسرني معاها.

بعد فترة، وصلتني منه رسالة قصيرة.

كتب فيها:

"دلوقتي فهمت قصدك لما قولتي إن اللي جاي أصعب."

قريت الرسالة.

قفلت الموبايل.

ومردتش.

لأن بعض الإجابات لما تيجي متأخرة، بتبقى ملهاش قيمة.

أنا وقتها كنت بالفعل بدأت حياة مختلفة.

سافرت فترة.

غيرت المكان اللي حواليا.

ورجعت أركز في شغلي وفي مهنتي اللي كنت مأجلاها عشان الزواج والبيت والمسؤوليات.

في البداية، ما كانش الموضوع سهل.

كان في أيام بصحى فيها وأسأل نفسي:

"هل فعلًا قدرت أبدأ من جديد؟"

لكن كل مرة كنت أفتكر اليوم اللي خرجت فيه من باب الفيلا، كنت أعرف إن أصعب خطوة كنت أخدتها بالفعل.

الباقي كان مجرد طريق.

اشتغلت أكتر.

تعلمت حاجات جديدة.

وقابلت ناس شافوني كشخص له قيمة، مش مجرد زوجة مطلوب منها تسكت وتوافق.

وبالتدريج، بدأت أنجح.

مش نجاح مفاجئ زي الحكايات.

لكن نجاح حقيقي.

خطوة ورا خطوة.

شغل كويس.

فرصة أحسن.

مسؤولية أكبر.

وبعدين اليوم اللي بصيت فيه لنفسي واكتشفت إني بقيت أقوى من البنت اللي دخلت الفيلا أول مرة.

ومش لأن الفلوس زادت.

ولا لأن شغلي اتحسن.

لكن لأني أخيرًا عرفت قيمة نفسي.

فهمت إن الإنسان ممكن يخسر بيتًا ويكسب نفسه.

وممكن يخرج من علاقة وهو فاكر إن حياته انتهت، وبعد شهور يكتشف إن اللي انتهى ما كانش حياته أصلًا… كان مجرد فصل فيها.

أنا ما نجحتش عشان أثبت لهم إنهم غلطوا في حقي.

ولا عشان يسمعوا أخباري ويندموا.

نجحت عشان أثبت لنفسي حاجة واحدة:

إني غالية.

أغلى من إن أي إيد تتمد عليا.

وأغلى

من إن أي حد يقلل مني عشان يثبت قوته قدام عيلته.

وأغلى من إني أفضل في مكان بيطلب مني أتنازل كل يوم عن جزء من كرامتي عشان البيت يفضل واقف من بره، بينما أنا بنهار من جوه.

واتعلمت إن الكرامة مش كلمة بنقولها وقت الغضب.

الكرامة قرار.

قرار إنك تعرف إمتى تسامح.

وإمتى تحاول.

وإمتى تقول:

"كفاية."

مش كل انسحاب هزيمة.

أحيانًا، إنك تمشي هو أقوى موقف ممكن تاخده.

ومش كل شخص بيعتذر يستحق فرصة جديدة، خصوصًا لو اعتذاره كله قائم على جملة:

"هما اللي خلوني أعمل كده."

لأن الإنسان المسؤول يقول:

"أنا أخطأت."

من غير أعذار.

ومن غير ما يرمي ذنبه على حد تاني.

بعد شهور، كنت واقفة قدام شباك مكتبي الجديد.

الشمس كانت داخلة بهدوء، والمدينة قدامي مليانة ناس رايحة وجاية، وكل واحد منهم عنده حكايته الخاصة.

رن هاتفي.

بصيت للشاشة.

كان رقمه.

فضلت أبص ثانيتين.

ثم قلبت الهاتف على وجهه، ورجعت لشغلي.

ما كانش عندي فضول أعرف هيقول إيه.

لأنني لم أعد أنتظر اعتذارًا.

ولا تفسيرًا.

ولا حتى ندمًا.

الحكاية بالنسبة لي انتهت يوم فتحت باب العربية وقررت أمشي.

أما كل ما جاء بعد ذلك، فكان مجرد نتيجة لاختيارات كل واحد فينا.

هم اختاروا الغرور.

وهو اختار أن يقف إلى جانبهم على حسابي.

وأنا اخترت نفسي.

وده كان أهم اختيار عملته في حياتي.

الدرس اللي اتعلمته: إن الست اللي بتعرف قيمتها، مستحيل تقبل إن الإهانة تتحول لشيء عادي في حياتها. وإن الحفاظ على البيت عمره ما يكون معناه إن الإنسان يهدم نفسه من الداخل عشان البيت يفضل واقف من الخارج.

واللي بيحاول يكسر كرامة غيره عشان يشعر بالقوة، ممكن يكتشف في النهاية إن كل خطوة أخدها لإضعاف شخص آخر كانت في الحقيقة بتقربه من نتيجة أفعاله.

أما القوة الحقيقية، فهي إنك تعرف قيمتك، وتحط حدودك، وتختار نفسك في اللحظة اللي يصبح فيها البقاء ثمنه كرامتك.

تمت.
 

 

 

 

تم نسخ الرابط