رغده

لمحة نيوز

تعبير العزاء الحقيقي.
فالفرق، كما يظهر من كلماتها، ليس بين إقامة العزاء وعدم الاهتمام بالناس، وإنما بين شكلين مختلفين للمواساة.
الأول يقوم على حضور اجتماعي قد تختلط به المظاهر والأحاديث الجانبية.
والثاني يقوم على العلاقة الحقيقية والدعم الصادق لأهل المتوفى.
ورغدة اختارت الشكل الثاني.
كما أن إعلان هذه الوصية وهي موجودة وبكامل صحتها، بحسب كلماتها، يحمل دلالة أخرى مهمة.
فهي أرادت أن تجعل رغبتها واضحة مسبقًا، حتى لا تتحمل ابنتها لاحقًا مسؤولية اتخاذ قرار قد يكون صعبًا وسط ظروف الحزن.
ولهذا بدأت كلماتها بالتأكيد على أنها تكتب الوصية وهي بكامل قواها العقلية والصحية والنفسية.
كانت الرسالة موجهة إلى بثينة، لكن مضمونها تحول إلى موضوع للنقاش بين المتابعين بسبب الفكرة التي طرحتها.
هل ما زالت مراسم العزاء تحتفظ بالفعل بالمعنى نفسه الذي عُرفت به قديمًا؟
وهل أصبحت بعض المظاهر الاجتماعية تطغى أحيانًا على الغرض الأساسي من المواساة؟
أسئلة يختلف الناس بالتأكيد في الإجابة عنها.
فهناك من يرى أن مجالس العزاء تظل جزءًا مهمًا من التكافل الاجتماعي، وأن حضور الناس يمنح الأسرة شعورًا بأنها ليست وحدها في وقت الحزن.
كما أن رؤية الأقارب والأصدقاء والجيران
وهم يقفون إلى جانب الأسرة يمكن أن تكون مصدر دعم حقيقي.
وفي المقابل، فإن الموقف الذي عبرت عنه رغدة ينطلق من تخوف مختلف أن تتحول المناسبة من مساحة للمواساة إلى تجمع تختلط فيه المواساة بأمور أخرى لا تتناسب مع طبيعة اللحظة.
ولهذا لم تطلب من ابنتها منع الأشخاص المقربين من الوقوف بجوارها.
على العكس، قالت بوضوح إن أصدقاءها الحقيقيين سيعرفون كيف يصلون إليها ويشاركونها حزنها.
وهذه العبارة ربما تكون المفتاح لفهم الوصية بأكملها.
فالمعيار لدى رغدة ليس وجود الناس أو غيابهم، وإنما طبيعة وجودهم.
الشخص الصادق في مواساته لا يحتاج، من وجهة نظرها، إلى مراسم كبيرة حتى يعبر عن مشاعره.
ولا يحتاج إلى كاميرا توثق حضوره.
ولا إلى مناسبة اجتماعية واسعة حتى يثبت أنه كان موجودًا.
يكفي أن يكون قريبًا من الأسرة في اللحظة التي تحتاج إليه فيها.
ومن هذا المنطلق جاء رفضها لفكرة استقبال المعزين في منزلها.
كما أنها ربطت موقفها بمسألة النميمة التي قد تحدث في بعض التجمعات، وهو أمر قالت إنها لا تريد أن تتحمل ذنبه.
وبذلك جمعت وصيتها بين جانب اجتماعي وجانب شخصي.
اجتماعي لأنها تنتقد بعض التغيرات التي ترى أنها طرأت على مفهوم العزاء.
وشخصي لأنها تحدد بنفسها الشكل الذي تريد
أن تتعامل به أسرتها مع رحيلها مستقبلًا.
ولم يكن غريبًا أن يلفت الموقف الانتباه، فرغدة عُرفت على مدار سنوات طويلة بصراحتها في التعبير عن آرائها ومواقفها، حتى عندما تكون مختلفة عما اعتاده الجمهور.
وهذه المرة أيضًا اختارت الحديث بصورة مباشرة جدًا.
لم تستخدم كلمات غامضة، ولم تترك الأمر مفتوحًا للتفسير.
خاطبت ابنتها باسمها وقالت لها ما تريده تحديدًا.
لا تستقبلي أحدًا للتعزية بعد رحيلي.
ثم تركت الباب مفتوحًا أمام الأشخاص الحقيقيين في حياة ابنتها، لأنهم كما قالت سيعرفون بأنفسهم كيف يقدمون لها العزاء الحقيقي.
وهكذا، فإن ما نشرته رغدة لم يكن إعلانًا عن خلاف عائلي أو واقعة جديدة في حياتها الخاصة، وإنما وصية شخصية مرتبطة بالطريقة التي ترغب أن تتم بها الأمور بعد رحيلها.
وصية أثارت الانتباه بسبب غرابة الفكرة بالنسبة إلى العادات الشائعة، لكنها بالنسبة لرغدة كانت مرتبطة بقناعة واضحة حول معنى المواساة.
فالعزاء، في رؤيتها، يجب أن يكون مساحة لدعم أهل المتوفى، وليس مناسبة للتصوير أو الظهور أو تبادل الأحاديث التي لا تليق بالموقف.
ولهذا فضلت أن تستغني عن المراسم التقليدية بالكامل بدلًا من أن تقام بطريقة لا تتفق مع رؤيتها.
وفي النهاية، تبقى الوصية تعبيرًا
عن رغبة شخصية للفنانة رغدة، بينما يظل لكل شخص نظرته الخاصة إلى العزاء والعادات المرتبطة به.
فالبعض يجد راحته في وجود عدد كبير من الأقارب والأصدقاء حوله، بينما قد يفضل آخرون الخصوصية والهدوء وأن تقتصر المواساة على أقرب الناس إليهم.
أما رغدة، فقد حسمت اختيارها مبكرًا.
وأبلغت ابنتها بثينة به بعبارات واضحة لا تحتمل الكثير من التأويل
لا تريد مراسم عزاء تقليدية، ولا تريد أن يتحول رحيلها إلى مناسبة للمظاهر أو التصوير، وإنما تريد أن يكون الأشخاص الحقيقيون فقط إلى جوار ابنتها، وأن يقدموا لها ما وصفته هي بنفسها بالعزاء الحقيقي.
وربما لهذا السبب تحديدًا أعادت نشر ذلك اللقاء القديم وكتبت وصيتها بنفسها؛ حتى تظل رغبتها معروفة وواضحة أمام ابنتها والجمهور، وحتى تكون بثينة على علم بما كانت والدتها تريده عندما يحين ذلك اليوم.
وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع موقفها، فإن كلمات رغدة فتحت بابًا للتفكير في معنى عادة اجتماعية قديمة جدًا هل تكمن قيمة العزاء في عدد الحاضرين وشكل المراسم، أم في صدق الأشخاص الذين يقفون إلى جوار الأسرة عندما تكون في أمسّ الحاجة إليهم؟
بالنسبة لرغدة، تبدو الإجابة محسومة منذ أن كتبت وصيتها لبثينة الأهم ليس كثرة من يأتون، وإنما
صدق من يبقى إلى جوار الإنسان في وقت الحزن.

تم نسخ الرابط