رغده
تمام. بما إن نص فيسبوك هيتوقف عند جملة ونشرت شيئًا أثار جدل جمهورها وهو...، فالأفضل إن نص الرابط يبدأ مباشرة من لحظة كشف الوصية، ثم يتوسع في خلفية الموقف ومعناه من غير اختراع وقائع جديدة أو نسب تصريحات إضافية لرغدة لم تقلها.
نشرت الفنانة رغدة وصية لابنتها بثينة، طلبت منها فيها بوضوح ألا تقيم لها مراسم عزاء بالشكل التقليدي بعد رحيلها، وهو الموقف الذي أثار اهتمام عدد كبير من متابعيها، خاصة أن رغدة لم تكتفِ بإعلان رغبتها فقط، وإنما شرحت أيضًا الأسباب التي جعلتها تصل إلى هذا القرار.
وجاءت الوصية بعدما أعادت رغدة نشر مقطع فيديو من لقاء تلفزيوني قديم جمعها بالإعلامي اللبناني وسام بريدي، ضمن برنامج وقف يا زمن، الذي عُرض عام 2007.
وأرفقت رغدة الفيديو بكلمات وجهتها مباشرة إلى ابنتها بثينة، وكأنها أرادت أن تترك لها تعليمات واضحة تتعلق بما تريده بعد رحيلها.
وقالت في وصيتها
حبيبتي بثينة، بوصيكي وأنا بكامل قوايا العقلية والصحية والنفسية، ما تستقبليش حد للتعزية بعد رحيلي، لكن أصحابك الحقيقيين هيعرفوا إزاي ييجوا عندك ويشاركوكي العزاء الحقيقي.
هذه الكلمات كانت كافية لجذب الانتباه، ليس فقط لأنها تتحدث عن أمر لا يفضل كثيرون الحديث عنه، ولكن أيضًا لأن رغدة اختارت أن تحدد بنفسها الطريقة التي تريد أن تتعامل بها ابنتها مع هذه اللحظة.
فهي
لكن لماذا اتخذت رغدة هذا القرار؟
ولماذا أوصت ابنتها تحديدًا بعدم استقبال المعزين؟
الإجابة ترتبط بنظرة رغدة إلى الطريقة التي تغيرت بها بعض العادات الاجتماعية بمرور الوقت.
فالفنانة المعروفة بآرائها الصريحة أوضحت أنها ترى أن العزاء في صورته الحالية لم يعد، في بعض الحالات، يحمل الهيبة والمعنى الإنساني اللذين كانا مرتبطين به في الماضي.
ومن وجهة نظرها، كان العزاء في السابق يقوم أساسًا على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه الوقوف بجوار أهل المتوفى ومواساتهم ومساندتهم في وقت الحزن.
كان الشخص يذهب إلى أهل المتوفى لأنه يريد أن يخفف عنهم ولو بكلمة بسيطة، أو يجلس إلى جوارهم، أو يقدم لهم ما يستطيع من مساندة.
لم يكن الهدف الأساسي هو الظهور أو معرفة من حضر ومن غاب، وإنما أداء واجب إنساني واجتماعي تجاه الأسرة.
لكن رغدة ترى أن هذه الصورة تغيرت مع مرور الوقت.
وبحسب ما أوضحته، فإن بعض مجالس العزاء أصبحت تشهد أحاديث جانبية ونميمة وأمورًا بعيدة تمامًا عن الغرض الأساسي الذي اجتمع الناس من أجله.
وهنا تحديدًا جاء أحد الأسباب التي دفعتها إلى كتابة وصيتها.
فهي لا تريد، وفقًا لما قالته، أن تتحمل ذنب ما يمكن أن يدور من نميمة بين بعض الأشخاص الموجودين في العزاء.
ولهذا فضلت من البداية أن تطلب من ابنتها عدم استقبال المعزين في المنزل بالطريقة المعتادة.
بالنسبة لرغدة، المسألة ليست رفضًا لفكرة المواساة نفسها، وإنما اعتراض على الصورة التي يمكن أن تتحول إليها المناسبة عندما تبتعد عن معناها الحقيقي.
وهذا يتضح أيضًا من الجزء الآخر في رسالتها إلى بثينة، عندما أشارت إلى أن أصدقاء ابنتها الحقيقيين سيعرفون كيف يذهبون إليها ويشاركونها العزاء الحقيقي.
أي أن رغدة لم تكن تتحدث عن قطع الناس أو رفض من يريد الوقوف بجوار ابنتها، وإنما كانت تفرق، من وجهة نظرها، بين المواساة الصادقة وبين المظاهر الاجتماعية التي قد ترافق بعض المناسبات.
فالإنسان القريب من الأسرة، والذي تربطه بها علاقة حقيقية، لن يحتاج إلى مناسبة كبيرة أو تجمع رسمي حتى يقدم الدعم.
سيعرف كيف يكون إلى جوارهم بالطريقة التي يحتاجون إليها.
ومن هنا يمكن فهم سبب توجيه الوصية إلى بثينة بهذه الطريقة المباشرة.
رغدة أرادت أن تعرف ابنتها رغبتها مسبقًا، بدلًا من ترك الأمر للظروف أو للعادات الاجتماعية المتعارف عليها.
ولم تتوقف ملاحظاتها عند مسألة الأحاديث الجانبية والنميمة فقط.
فقد تحدثت كذلك عن تغير بعض مظاهر العزاء مقارنة بما كان موجودًا في الماضي.
وأشارت إلى أن العادات القديمة المتعلقة بمواساة أهل المتوفى والوقوف إلى جوارهم في أوقات الحزن لم تعد،
فالهدف قديمًا كان واضحًا تقديم الدعم والمواساة.
لكنها ترى أن بعض الأشخاص أصبحوا يتعاملون مع هذه المناسبات بطريقة مختلفة.
ومن أكثر الأمور التي انتقدتها أن بعض المعزين، بحسب رأيها، قد يذهبون من أجل التصوير أو الظهور أمام وسائل الإعلام.
وهي النقطة التي تبدو أكثر وضوحًا في حالة الفنانين والمشاهير، لأن أي مناسبة تخص شخصية معروفة قد تتحول سريعًا إلى حدث يحظى باهتمام وسائل الإعلام والكاميرات.
وهنا يظهر جوهر موقف رغدة.
فهي تريد أن تظل لحظة الحزن شأنًا إنسانيًا وعائليًا، بعيدًا عن المظاهر التي ترى أنها قد تفقد المناسبة معناها.
ومن خلال وصيتها، وضعت ابنتها أمام رغبة واضحة جدًا لا استقبال تقليديًا للمعزين بعد رحيلها.
أما الأشخاص المقربون فعلًا، والذين تربطهم ببثينة والأسرة علاقة صادقة، فهم وفق تعبير رغدة سيعرفون بأنفسهم كيف يقدمون المواساة الحقيقية.
وقد يبدو القرار غير معتاد للبعض، خاصة في المجتمعات العربية التي تحتل فيها مراسم العزاء مكانة اجتماعية كبيرة، لكن رغدة قدمت تفسيرها الخاص لهذا الاختيار.
فمن وجهة نظرها، قيمة المواساة لا تتحدد بعدد الأشخاص الذين حضروا، ولا بحجم التجمع، ولا بمن ظهر أمام الكاميرات.
القيمة الحقيقية موجودة في الشخص الذي يأتي لأنه يريد بالفعل الوقوف إلى جوار الأسرة.
وهذا المعنى هو