قالوا إن العشاء للكبار فقط... لكن عندما دخلت وجدت عشرة أطفال ينتظرون الهدايا!
ظلت هدى واقفة مكانها، تضغط الصينية إلى صدرها بقوة.
لثوانٍ طويلة، لم ينطق أحد بكلمة.
ثم وضعت الكؤوس على الطاولة، ونظرت إلى أمي وكأنها تستأذنها في الكلام.
هزت أمي رأسها ببطء علامة الرفض، لكن أختي كانت قد بدأت تبكي بالفعل.
تقدم والدي خطوة، لكن للمرة الأولى لم تتراجع أمامه.
قالت وهي تنظر إلي
مريم... سامحيني. العشاء لم يكن للكبار فقط. أبي طلب منا أن نستبعد علي وحده. وأجبرنا جميعًا على الكذب عليك في مجموعة العائلة. قال إنه إذا أخبرك أحد بالحقيقة، فسيتوقف عن مساعدتنا في أمور البيت، وسيكشف أسرارًا يعرفها عن كل واحد منا. وأنا وافقت... لأنني كنت جبانة.
حدقت فيها غير قادرة على الفهم.
كانت هدى تملك وظيفة مستقرة، وزوجًا يتقاضى راتبًا جيدًا، وسيارتين.
أي مساعدة كان يستطيع والدي أن يمنعها عنها؟
مسحت دموعها بطرف كمها، ثم أشارت إلى غرفة المكتب.
حاول والدي أن يمنعها من الاقتراب، لكن عددًا من أفراد العائلة نهضوا أخيرًا، وشكلوا حاجزًا صامتًا بينهما.
قالت
المال الذي ترسلينه كل شهر... كان أبي يقرضنا جزءًا منه، ثم يخبرنا أنه من أرباح استثماراته. كان يمنحني سبعة ملايين وخمسمائة ألف دينار عراقي كل شهر منذ أن خسر زوجي عددًا من زبائنه. وكان يقنع أمي بأنه يدفع كل شيء من راتبه التقاعدي. جميعنا كنا نعيش من مالك... من دون أن نعرف الحقيقة كاملة.
شعرت وكأن الأرض تميل تحت قدمي.
لم تكن المسألة مجرد ثلاثين مليون دينار عراقي كل شهر.
بل إن والدي حوّل مساعدتي السرية طوال سنوات إلى وسيلة يفرض بها سلطته.
كان يظهر أمام الجميع بصورة الرجل الذي ينفق على الجميع.
يوزع المال.
ويشتري الطاعة.
أما الحقيقة...
فأنني كنت أنا من أمول السلطة التي استخدمها قبل دقائق لطرد ابني من مائدة العائلة.
نظرت إليه
لماذا علي؟ ماذا فعل لك طفل في السابعة من عمره؟
مد يده نحو كأسه، لكن أمي أبعدته قبل أن يشرب.
أطلق ضحكة قصيرة وجافة.
وللمرة الأولى بدا واثقًا من الخارج فقط.
أما داخله...
فكان يشبه رجلًا صغيرًا خائفًا.
قال
لأنه يشبه سامر.
يصعد إلى هذا البيت بعيني ذلك الرجل، فينتظر الجميع مني أن أنسى ما حدث.
زوجك تحداني داخل هذا المنزل.
ووصفني بالطفيلي.
وقال إنك ستفتحين عينيك يومًا، وستتوقفين عن إعالتنا.
كان قليل الاحترام.
تجمدت في مكاني.
سامر لم يخبرني يومًا عن ذلك الخلاف.
لابد أنه أخفاه عني كما كان يفعل دائمًا.
كان يحمل الأعباء وحده حتى لا يزيد همومي.
وتذكرت كيف أصر، قبل أشهر من الحادث، على أن نراجع أوضاعنا المالية، وأن نضع حدودًا واضحة في التعامل مع عائلتي.
أما أنا...
فكنت أؤجل ذلك الحديث في كل مرة.
قلت وأنا أحدق في والدي
إذن عاقبت علي لأن والده قال الحقيقة؟
أجاب
أبعدته حتى لا يثير المشكلات.
قلت بمرارة
ومن الذي كان سيثير المشكلات؟ علي ما زال يرسمك بجانب شجرة العيد. ويسأل عن ركبتيك كلما رآك. واحتفظ لك بالحلوى التي ربحها في المدرسة لأنه تذكر أنها المفضلة لديك... وأنت أذللته بهذه الطريقة.
غطت أمي فمها بيدها.
وانفجرت هدى في بكاء أشد.
أما الأطفال، فكانوا يقفون في الممر، ينظرون إلينا بحيرة، بعدما أصبح من المستحيل على الكبار إخفاء الحقيقة.
اقتربت من شجرة العيد.
ورأيت بطاقات الهدايا.
عرفت خط يدي على معظمها.
أنا من اشتريتها قبل أسابيع.
كانت هدى قد أرسلت إلي قائمة طويلة، وقالت إن الجميع سيدفع حصته لاحقًا.
لكن أحدًا لم يدفع شيئًا.
وأنا لم أطالبهم بشيء، لأنني ظننت أنهم يمرون بضائقة.
ها هي الدمى.
وأجهزة الألعاب.
والأحذية.
والكتب.
كلها اشتريتها أنا.
وها هم الأطفال الذين
أما علي...
فلم يكن له حتى بطاقة باسمِه.
فتحت الحقيبة التي أحملها.
كان بداخلها ثلاث هدايا لم تُفتح بعد.
واحدة لوالدي.
واثنتان لهدى.
وضعتها فوق أحد الكراسي.
ليس بوصفها هدايا...
بل أدلة.
ثم أخرجت ظرف علي.
كان قد تجعد قليلًا من كثرة ما ضغطت عليه بيدي.
مددته نحو والدي.
لكنه رفض أن يلمسه.
قلت
افتحه.
قال ببرود
لن أشارك في هذا الاستعراض.
قلت
هذا ليس مني... بل من حفيدك. الطفل الذي طردته لأنه يذكرك بالرجل الوحيد الذي امتلك الشجاعة ليصفك كما أنت. افتحه، وانظر إليه قبل أن تقرر أن حساباتك المصرفية أهم منه.
ظل واقفًا في مكانه.
وفجأة...
خرجت زينب من بين الأطفال.
أخذت الظرف بهدوء.
ورغم أنها لم تتجاوز التاسعة، بدت وكأنها تفهم أكثر من جميع الموجودين.
فتحته بحذر.
ثم فردت الرسمة فوق الطاولة.
اقترب بقية الأطفال.
كانت العائلة كلها تبتسم في الرسمة.
حتى والدي كان يبتسم وهو يمسك بيد علي بفخر.
أما سامر...
فكان مرسومًا بين الغيوم، وكأنه يحرس الجميع من السماء.
وتحت الشجرة كتب علي بخط طفولي غير متساوٍ
عائلتي كاملة... حتى لو كان أبي يرانا من السماء.
أطلقت أمي أنينًا مكتومًا.
وأخرج أحد أعمامي نظارته، متظاهرًا بتنظيفها حتى يخفي دموعه.
نظر والدي إلى الرسمة للحظة واحدة فقط.
ثم طواها إلى النصف.
ووضعها على الطاولة.
وقال
الأطفال ينسون بسرعة.
لكن ما حدث بعدها لم يكن متوقعًا.
رفعت أمي يدها...
وصفعته.
دوّى صوت الصفعة في أنحاء المنزل.
ولم يتحرك أحد.
نظر إليها والدي مذهولًا.
وقالت أمي بصوت مرتجف
أنا لم أنسَ.
لم أنسَ عندما حرمت مريم من الاحتفال بتخرجها لأنها رفضت دراسة التخصص الذي اخترته لها.
ولم أنسَ عندما وصفت هدى بالفاشلة بعد طلاقها.
ولم أنسَ كل مرة استخدمت
رفع والدي يده.
لا أعرف إن كان يريد الرد عليها...
أم رد الصفعة.
لكن اثنين من أبناء عمي وقفا بينهما.
وخلال ثوانٍ...
انهارت صورة الرجل الذي كان الجميع يخشاه.
لم يعد رب الأسرة الذي يقرر من ينتمي إلى العائلة.
بل أصبح رجلًا مسنًا، يحيط به أشخاص اكتشفوا أخيرًا أنهم يستطيعون أن يقولوا له لا.
وضعت الرسمة داخل الظرف مرة أخرى.
ثم حملت أكياسي.
حاولت أمي أن تلحق بي.
لكنني رفعت يدي.
وقلت
ليس الليلة. لدي ابن ينتظر عودتي. أنتم قرروا كيف ستتعاملون مع هذه الفوضى... أما أنا فقد اتخذت قراري. لن يكون هناك مال بعد اليوم... ولا أكاذيب... ولا صمت يُشترى بشعوري القديم بالذنب.
اقتربت هدى مني.
وقالت
مريم... أرجوك، دعيني أشرح.
قلت
كان لديك ثمانية أيام كاملة.
همست
كنت خائفة.
قلت
وعلي أيضًا كان خائفًا. لكنه، على الأقل، لم يخن أحدًا.
أنزلت رأسها.
وأردت أن أحتضنها.
فهي ما زالت أختي.
لكنني تذكرت أنها كانت أول من كتب في مجموعة العائلة.
وكان ذلك الجرح يحتاج إلى وقت... ومسافة.
وقبل أن أغادر، نظرت إلى الأطفال.
وقلت
الهدايا لكم جميعًا. لا أحد منكم مذنب فيما فعله الكبار.
احتضنت زينب الرسمة إلى صدرها.
ثم سألتني
خالتي... هل يمكنني أن أتصل بعلي؟
قلت
غدًا.
قالت
أخبريه أنني كنت أريده أن يأتي.
هززت رأسي، ولم أستطع أن أتكلم.
ثم خرجت وحدي.
استقبلني هواء الليل البارد.
ومن داخل المنزل بدأت ترتفع الأصوات.
في البداية كانت منخفضة.
ثم تحولت إلى شجار حاد.
سمعت أمي تطالب بكشوف الحسابات.
وسمعت هدى تتحدث عن القروض.
وسمعت أعمامي يسألون عن الأموال.
لكنني لم ألتفت.
لقد أمضيت سنوات طويلة أطفئ حرائق لم أشعلها.
قدت سيارتي نحو منزل والدي سامر.
وأثناء الطريق،
ثم غيرت كلمات المرور لجميع حساباتي.
لم أفعل ذلك انتقامًا.
بل لأنني فهمت أخيرًا أن المساعدة بلا حدود ليست