اقرب صاحب ليا
ولا يأس، بل ابتسامة دهشة علمية بحتة.
بص لكريم وقاله بصوت عالي نسبياً
العملية نجحت... الأم بخير، والتوأم اتولدوا بكامل صحتم... والأغرب من كده يا كريم بيه، إن تحليل الدم للولاد بيثبت إن الطفرة اتعالجت تماماً، جيناتهم سليمة بنسبة مية في المية، ومريم فاقت وبتسأل عنكم!
في اللحظة دي، حسّيت إن جبل كان قاعد فوق صدري واتشال مرة واحدة. أخدت نفس طويل لأول مرة من أيام، وبصّيت لكريم. كان واقف قدامي، بيبتسم ابتسامة هادئة، لكن دموعه كانت بتنزل من غير ما يحاول يخبيها. مدّ إيده ناحيتي تاني، لكن المرة دي ما كانتش عشان يسلمني ورقة أو يكشفلي سر جديد يخوفني... كانت عشان ياخدني معاه لجوا.
مسكت إيده من غير ما أفكر، وخطواتي كانت تقيلة من الخوف والفضول. كل خطوة كنت بحس إن حياتي القديمة بتبعد عني، وإن في حقيقة كبيرة مستنياني ورا الباب.
فتح كريم
دخلنا الأوضة.
كانت مريم قاعدة على السرير، وشها لسه شاحب، لكن ملامحه مختلفة تمامًا عن آخر مرة شفتها. التعب كان موجود، لكن في عينيها كان فيه نور غريب... نور هدوء وطمأنينة، كأنها أخيرًا ارتاحت من حمل كانت شايلاه سنين.
أول ما شافتني، ابتسمت.
ابتسامة صغيرة... لكنها كانت صادقة لدرجة إنها خلت دموعي تنزل من غير ما أحس.
قربت منها بخطوات بطيئة، وكأن الأرض بقت أتقل تحت رجلي. كنت عايزة أتكلم، أسألها، أعاتبها، أو حتى أبكي في حضنها... لكن ولا كلمة رضيت تخرج من بقي. قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت سامعة صوته في وداني، وألف سؤال كان بيلف في دماغي من غير ما ألاقي له إجابة.
وقفت قدامها، وبصيت في وشها كويس.
كانت أهدى من أي وقت شفتها فيه.
ملامحها اللي كانت دايمًا مرهقة ومليانة خوف، بقى فيها راحة غريبة، كأنها أخيرًا وصلت لنهاية
مدّت إيدها ناحيتي.
ترددت لحظة، وبعدين مسكتها.
كانت إيدها دافية، وثابتة، وده خلاني أستغرب أكتر.
قبل ما أنطق بأي سؤال، رفعت عينيها وبصّتلي مباشرة، وكأنها كانت عارفة كل اللي بيدور جوايا.
وبصوت هادئ جدًا... أوضح وأقوى من أي مرة سمعت صوتها فيها، قالت
شكراً يا سارة... إنك صبرتي على حبنا، وحان الوقت دلوقتي تعرفي إننا مش هنفترق أبدًا.
الكلمات وقعت على ودني، لكن عقلي رفض يستوعبها.
فضلت باصة لها ثواني طويلة، يمكن كانت أطول ثواني عدّت عليا في حياتي.
حاولت أربط بين اللي سمعته، وبين كل اللي حصل قبل كده.
كل لحظة خوف.
كل دمعة.
كل سر.
كل مرة حسيت إن في حاجة مستخبية عني.
لكن الصورة كانت لسه ناقصة.
بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت صوتي خارج بالعافية، وسألتها وأنا بالكاد
يعني إيه... مش هتفترقوا؟
ما ردتش على طول.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وبصّت لكريم.
هو كمان ابتسم، لكن كانت في عينيه دموع محبوسة، كأنه مستني اللحظة دي من سنين طويلة.
رجعت مريم تبصلي مرة تانية.
خدت نفسًا عميقًا، وكأنها بتجمع شجاعة عمر كامل.
كان واضح إن السر اللي عاشوا يخبوه كل السنين دي، خلاص جه الوقت يخرج للنور.
حسيت إن الأوضة كلها ساكتة.
حتى عقارب الساعة اللي كانت بتتحرك من شوية، بقيت كأنها وقفت.
ولا حد فينا كان بيتكلم.
ولا حد كان قادر يكسر الصمت.
كل واحد فينا كان عارف إن الكلمة اللي جاية هتغير كل حاجة.
أما أنا...
فما كنتش أعرف إن الدقائق القليلة اللي جاية مش بس هتقلب كل اللي كنت مؤمنة بيه رأسًا على عقب، لكنها كمان هتكشف الحقيقة اللي فضلت مستخبية طول السنين دي، وهتخليني أعيد التفكير في كل موقف، وكل كلمة، وكل دمعة