عمي يونس حكايات زهرة

لمحة نيوز

والكلون الحديد وقع في الطين، عمي يونس مفيضش ثانية واحدة. بصلي بصه عمرها ما هتمشي من بالي؛ عيون واسعة مليانة بريق غريب، مش بريق جنان، لأ.. ده كان بريق واحد بقاله سنين مستني اللحظة دي. ملقطش نفسه، ولا قالي شكراً،
لف ضهره وجري وسط المطر مكنش بيجري زي المجانين اللي بيطوحوا إيديهم، ده كان بيجري بخطوات واسعة وموزونة وسط الوحل، كأنه مكنش مربوط بقاله سنين!
وقفت مكاني مذهول، قالب الطوب في إيدي غرقان طين، والمطر نازل يغسل وشي ويداري دموعي. السلسلة كانت مرمية على الأرض زي الحنش الميت. رجعت لوعيي فجأة لما سمعت كحة أبويا جوه البيت. جسمي اتنفض من الرعب، رميت قالب الطوب في المصرف اللي ورا الزريبة، واتسحبت على طراطيف صوابعي لحد ما دخلت تحت لحافي.
ليلتها منمتش.. كنت سامع صوت المطر وهو بيخبط على السقف الصاج، وكل خبطة كانت بتنزِل في قلبي زي الخنجر. كنت بسأل نفسي أنا عملت إيه؟ يا ترى عمي هيموت في السقعة دي؟ ولا أبويا هيعرف إني أنا اللي فكيته ويدبحني؟
الصباحية السودا.. واكتشاف
الكارثة
مع أول ضوء لفجر يوم جديد، المطر خف وبقى ديم خفيف. قمت من سريري على صوت صريخ عالي وزعيق قالب العزبة. طلعت جري على الحوش، لقيت أبويا عبد العزيز واير في وسط الزريبة زي الطور الهايج،
ماسك السلسلة المكسورة في إيده وبيخبط بيها على الأرض وهو بيصرخ
هرب.. المجنون هرب! مين اللي فكه؟ مين ابن الدزمة اللي عمل كده؟
جدي رضوان خرج من أوضته ساند على عصايته، وشه كان أبيض زي القماشة البيضا، وعينيه كانت زايفة من الخوف.. آه، الخوف! دي كانت أول مرة في حياتي أشوف جدي رضوان خايف. جدي اللي البلد كلها بتعمله ألف حساب، كان بيرتعش وهو بيبص للسلسلة المكسورة.
أبويا شافني واقف مرعوب، هجم عليا ومسكتي من طوق الجلابية لدرجة إن نفسي اتقطع
إنت اللي فكيته يا أحمد؟ إنت كنت عنده
بالليل!
إنت اللي فكيته يا أحمد؟ إنت كنت عنده بالليل!
أمي جريت وترمت على إيد أبويا وتبوسها بتبوس إيدك يا عبد العزيز، الواد عيل وميعرفش حاجة، ده كان نايم في حضني طول الليل من الرعب!
أبويا زقها وقعها على الأرض، وبص لجدي وقال بصوت مخنوق لو الواد ده وصل للبندر يا بوي.. إحنا هنروح ورا الشمس. إنت عارف يونس معاه إيه.. وعارف لو اتكلم هيحصل فينا إيه!
هنا جدي رضوان ضرب الأرض بعصايته وقال بحسم مرعب اقفل خشمك يا عبد العزيز! لم رجالة العزبة.. هاتو الشوم والأسلحة، وتلفوا العزبة شبر شبر. يونس حافي وفي المطر مش هيعرف يسبقكم، هجيبوه.. حي أو ميت!
رحلة البحث.. وسر الجميزة الملعونة
العزبة كلها
اتقلبت. رجالة عيلة الشناوي والغلابة اللي شغالين عندهم في الأرض انتشروا في كل مكان. فضلوا يدوروا في الترع، وتحت
الجسور، وفي الغيطان الوسطانية. وأنا كنت قاعد على عتبة البيت، حاطط راسي بين ركبي وبدعي ربنا يحمي عمي يونس.
على الضهر، الرجالة رجعت واليأس ماليهم. مفيش أثر ليونس. كأن الأرض انشقت وبلعته.
أبويا كان قاعد على المصطبة بيطحن في سنانه، وجدي رضوان دخل المندرة وقفل على نفسه.
استغليت انشغالهم، واتسحبت لورا الزريبة، عند المكان اللي عمي يونس كان بيكتب فيه في الطين قبل ما أبويا يضربه. المطر كان مسح الكلام، بس الأرض كانت محفورة شوية. قعدت على ركبي وبقيت أحفر بضوافري في الطين في نفس المكان اللي عمي كان بيبحت فيه.
فجأة، ضوافري خبطت في حاجة ناشفة.. مش حجر.. ده كان خشب!
فضلت أحفر بسرعة وضربات قلبي بتزيد، لحد ما ظهرت لي حافة صندوق خشب صغير قد علبة السيجار، مدفون بعمق تحت جدر شجرة الجميزة. طلَّعت
الصندوق ونفضت عنه الطين، وبصيت حواليا برعب خايف حد يشوفني. خبيته في عب جلابيتي وجريت على الأوضة الفوقانية اللي فوق السطوح.
فتحت الصندوق.. والي شفته جوه خلاني أتنفس بصعوبة.
مكنش فيه فلوس ولا دهب.. كان فيه
كشكول قديم مكتوب بخط إيد صغير ومنظم جداً، كله أرقام
ومعادلات ورسومات هندسية.
ورقة رسمية عليها ختم النسر، مكتوب فيها جامعة القاهرة كلية الهندسة شهادة تخرج الطالب يونس رضوان الشناوي بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
عقد ملكية أرض قديم جداً، بس الاسم اللي فيه مكنش اسم جدي رضوان.. كان اسم الشيخ كامل، وده كان راجل طيب من أصحاب الأرض الأصليين في العزبة، واختفى من عشر سنين والناس قالت إنه سافر ومات بره!
وفجأة، لقيت ورقة مطوية مكتوبة بخط عمي يونس، ومكتوب في أولها إلى من يجد هذا بعد موتي
أو خلاصي.
قريت السطور وأنا جسمي كله بيلتفت من الصدمة
أنا مش مجنون. أبويا وأخويا عبد العزيز هما اللي جننوني قدام الناس عشان يداروا جريمتهم. لما رجعت من مصر بعد التخرج، اكتشفت إنهم زوروا عقود أرض الشيخ كامل بعد ما قتلوه ودفنوه تحت زريبة البهائم.. بالظبط تحت شجرة الجميزة. لما واجهتهم، جدي سممني بمادة بتغيب الوعي، وأخويا ربطني هنا، وكل ما كنت ببدأ أفوق، كانوا بيدوني جرعة تانية عشان أفضل أهذي قدام أهل البلد.. اكتب يا يونس، سيب دليل، لو مت.. الأرض مش هتاكل حق الدم.
دموعي نزلت على الورقة.. عمي يونس، العبقري، المهندس، مربوط جنب البهائم عشان ميتكلمش! وأبويا وجدي.. قتالين قتلا!
اللحظة الفاصلة.. صدمة لم تخطر على بال بشر!
قبل ما
أستوعب اللي قريته، سمعت صوت جلبة بره
تم نسخ الرابط