تركته زوجته وابنته يصارع السرطان وحده... وبعد 6 أشهر قلب حياتهما في دقائق!
بإمكانك أن تأتي مرة واحدة.
هزت رأسها وهي تبكي كطفلة ضائعة.
خفت.
قلت
وأنا أيضًا.
تركتها تلك الكلمات الثلاث بلا دفاع.
لأن الخوف لم يكن ذنبًا.
أما الهجر فكان ذنبًا.
أطفأ المحامي السماعة.
وبقي صمت له رائحة ورق، وعطر غالي، وهزيمة.
اقتربت زهراء ببطء، وغيّرت نبرتها كما يغيّر الإنسان ثوبه.
قالت
حيدر، حبيبي، ما زال بإمكاننا أن نكون عائلة. لا تترك الغرباء يتمتعون بما يخصنا.
ضحكت بهدوء.
ما كان يخصنا مات في الليلة التي وضعتِ فيها حقائبك بجانب أدويتي.
حاولت أن تمسك يدي.
تقدمت منى خطوة، لكنني رفعت كفي حتى لا تتدخل.
قلت
لا تلمسيني.
توقفت زهراء، مندهشة لأنها خسرت حقًا كانت تدنسه منذ أشهر.
قالت
هل ستترك ابنتك في الشارع؟
نظرت إلى سارة.
قلت
لا.
رفعت سارة وجهها بأمل.
أخرج المحامي ظرفًا أصغر.
قال
سارة ستحصل على صندوق تعليمي وعلاجي، وليس مالًا مباشرًا.
ولن يُصرف لها منه شيء إلا إذا أكملت دراستها، وذهبت إلى جلسات علاج نفسي لمدة سنة، وأعادت طوعًا ما أنفقته من حسابات السيد حيدر.
تجمدت سارة.
علاج نفسي؟
قلت
حتى تفهمي لماذا فضّلتِ أن ترثيني وأنا ميت بدل أن ترافقيني وأنا حي.
غطت وجهها بكلتا يديها.
لم أعرف هل كانت تكرهني، أم أنها بدأت أخيرًا تكره ما فعلته.
في زمن سابق، كنت سأركض لأرفعها من انهيارها.
لكن ذلك الرجل مات ليلة بقي وحيدًا على الأريكة.
والآن لم يبقَ إلا رجل تعلم ألا يداوي من طعنه.
انتهى الإجراء بتواقيع.
ونسخ مصدقة.
وزهراء ترتجف من الغضب.
في الخارج، تم فصل وسام للإدلاء بأقواله حول التحويلات، فركضت زهراء خلفه وكأنهما ما زالا فريقًا واحدًا.
لكنه لم ينظر إليها حتى.
هناك فهمت أن عشاق الميراث لا يبقون إلا ما دام هناك شيء ينتظرونه.
بقيت سارة عند الباب، تحتضن حقيبتها.
قالت
هل يمكن أن أراك لاحقًا؟
خرج السؤال صغيرًا جدًا، لدرجة أنه كاد يضعفني.
قلت
يمكنك أن تبحثي عني عندما تأتين لرؤيتي أنا، لا لرؤية حساباتي.
هزت رأسها.
لكنها لم تقترب.
وأنا أيضًا لم أقترب.
ساعدتني منى على الوقوف، رغم أن قدميّ كانتا قادرتين على حملي أفضل من السابق.
سألتني
هل أنت متأكد مما فعلته يا أستاذ حيدر؟
نظرت إلى يديّ.
آثار شحم قديم.
وعروق بارزة.
وأثر إبر كثيرة.
قلت
لأول مرة منذ أشهر، نعم.
مشينا إلى موقف السيارات تحت شمس بيضاء، من تلك الشمس التي تجعل زجاج السيارات يلمع كالسكاكين.
كان منتظر داخل سيارتي القديمة، نائمًا والقبعة فوق عينيه، وكيس خبز حلو فوق قدميه.
ذلك الشاب تعلم القيادة ليأخذني إلى مواعيد العلاج، ولم يكن يقبل ثمن الوقود قبل أن يفحص زيت السيارة أولًا.
عندما فتح عينيه ورآني، سألني
هل كل شيء صار بخير؟
نظرت إلى المبنى.
فكرت في زهراء.
وفكرت في سارة.
ثم تنفست بلا ألم لأول مرة منذ وقت طويل.
قلت له
صار كما يجب أن يصير يا ولدي.
وفاجأتنا الكلمة نحن الاثنين.
الأسابيع التالية لم تكن سهلة.
حاولت زهراء أن ترفع دعوى.
وحاولت أن تبكي في الاتصالات.
وأرسلت أقاربًا يقولون لي إن المرض جعلني أحمل حقدًا في قلبي.
لكن التسجيلات.
والتقارير.
وكشوفات حساباتها.
كانت تغلق كل باب تطرقه.
تركها وسام قبل نهاية الشهر.
من دون
ومن دون بيت.
ومن دون ورشة.
دام حبه أقل من عمر بطارية قديمة.
بدأت سارة العلاج النفسي لأن الصندوق لم يترك لها خيارًا.
وفي أول مرة عادت فيها إلى الورشة، لم تجلب وردًا.
ولا حلوى.
ولا خطابات.
جلبت دفترًا صغيرًا كتبت فيه المصاريف.
وكانت يداها ترتجفان.
قالت
لم آتِ من أجل المال.
قلت
إذن اجلسي.
جلست بعيدًا.
كأنها تعرف أنها كسرت كرسيًا، وما زالت تطلب الإذن لدخول غرفة الطعام.
لم أسامحها في ذلك اليوم.
ولم أطردها.
استمر السرطان يعيش معي، لكنه لم يعد يأمرني وحده.
كان الطبيب يقول إن جسدي يستجيب، رغم أن أحدًا لم يجرؤ على قول كلمة معجزة.
وأنا أيضًا لم أقلها.
فالمعجزات لا تشفي دائمًا.
أحيانًا تمنحك فقط أشهرًا قليلة لترتب بيتك من جديد.
مع منى، فتحنا المكتب القديم في الورشة وحولناه إلى غرفة استراحة للمرضى القادمين من مدن بعيدة.
كان فيها كرسيان مريحان.
وماكينة قهوة.
وأغطية نظيفة.
وقدر تفوح منه دائمًا رائحة الحساء.
رسم منتظر لافتة مائلة عند المدخل.
وقفت أنظر إليها
كانت اللافتة تقول
هنا لا ينتظر أحد الموت وحيدًا.