تركته زوجته وابنته يصارع السرطان وحده... وبعد 6 أشهر قلب حياتهما في دقائق!
وضع المحامي سماعة صغيرة فوق الطاولة، وحاولت زهراء أن تبتسم، لكن طرف فمها كان يرتجف.
قالت
هذا كلام فارغ. إذا كان حيدر حيًا، فلا توجد وصية تُقرأ.
لم يتحرك محاميّي من مكانه.
قال بهدوء
من الناحية القانونية، هذه قراءة احترازية لتصرفات مالية وإرادة مسبقة، سيدتي.
ثم أضاف
وأنتم أكدتم الحضور لأنكم كنتم تظنون أنه توفي، وهذا أيضًا مسجل.
همست سارة باسمي
أبي...
نظرت إليها كما ينظر الإنسان إلى صورة قديمة لم يعد لها مكان في البيت.
قلت
لا تقولي لي أبي وأنتِ جئتِ لتقبضي من رجل حسبتِه ميتًا.
خفضت وجهها.
أما زهراء، فشدّت على حقيبتها، كأنها تبحث عن كذبة أكثر أناقة.
ضغط المحامي زر التشغيل.
امتلأ المكتب بصوتي.
كان أجشًا.
متعبًا.
لكنه حي في كل كلمة.
إذا كنتم تسمعون هذا التسجيل، فهذا يعني أن زوجتي وابنتي جاءتا من أجل ما ظنتاه حقًا لهما.
أغمضت زهراء عينيها.
أريد أن تعرفا أنني لم أحرِمكما لأنني مرضت، بل لأنكما تركتماني.
بدأت سارة تبكي، لكنني لم أعد أعرف هل كان بكاؤها ندمًا أم خوفًا.
بينما كنت أتقيأ الدم في الحمام، كنتما تسحبان المال من الحساب المشترك.
وبينما كنت أوقع الموافقات على العلاج الكيماوي، كانت زهراء تقضي وقتها بعيدًا عني، منشغلة بخطط جديدة لا مكان لي فيها.
وبينما كانت ابنتي تعدني أنها ستبقى معي، كانت تستخدم بطاقتي في مصاريف لم أكن أعلم عنها شيئًا، بينما كنت أواجه أصعب أيام حياتي.
ضربت زهراء الطاولة بيدها.
هذا
أشار المحامي بيده، فاشتعلت الشاشة الموجودة في آخر المكتب.
ظهرت كشوفات حساب.
وفواتير فندق.
وتحويلات إلى حساب مجهول.
وصور رسائل كنت قد استرجعتها بمساعدة خبير تقني.
في واحدة من الرسائل، كتبت زهراء
في واحدة من الرسائل، كتبت زهراء
اصبر قليلًا، كل شيء سيتغير قريبًا.
ورد وسام
عندما تنتهي الإجراءات المالية، سنبدأ المشروع الذي تحدثنا عنه.
وضعت سارة يدها على فمها.
أمي، قلتِ لي لا توجد رسائل.
نظرت إليها زهراء بغضب، لا بحب.
اسكتي.
آلمتني تلك الكلمة أكثر مما توقعت، لأنني عرفت النبرة نفسها التي كانت تسكتني بها طوال سنوات.
استمر التسجيل.
لن أقاتل من أجل أشياء خسرتها، لكنني سأحمي ما يمكن أن ينقذ غيري.
سيبقى بيتي بحق السكن والرعاية باسم منى الكاظمي لمدة عشر سنوات، لأنها هي التي اعتنت بي حين رفضت عائلتي أن تلمسني.
أطلقت زهراء ضحكة جافة.
ممرضة؟
رفعت يدي.
لم تكن ممرضة.
وقفت منى، الجالسة في الزاوية، وهي ترتدي زيًا رماديًا بسيطًا من ورشة العمل.
كانت أرملة كريم، أفضل عامل عندي، ومع ذلك كانت الوحيدة التي تعبر بغداد كل صباح لتجلب لي الحساء والدواء والكرامة.
لم تقل منى شيئًا.
كانت عيناها رطبتين، لكن ظهرها كان مستقيمًا.
كنت قد عرفتها قبل عشرين عامًا، يوم دخل كريم إلى الورشة كصبي يتعلم المهنة، ثم صار أخًا لي في الشحم والمفكات.
وبعد أن توفي في حادث طريق، بقيت منى وحدها مع ابنها منتظر، ومع ذلك لم تطلب
وحين رحلت زهراء، كانت منى هي التي وجدت باب بيتي مفتوحًا، ووجدتني مرميًا على الأرض بحرارة عالية.
هي من اتصلت بالطبيب.
وهي من أخذتني إلى المستشفى.
وهي من تعلمت كيف تعطيني الحقن من دون أن تجعلني أشعر أنني عبء.
نظرت إليها سارة بغضب.
بسببها حرمتنا من كل شيء؟
قلت
لا. أنتما حرمتما نفسيكما يوم أغلقتما الباب ورحلتما.
واصل المحامي القراءة، بينما كانت زهراء تطحن أسنانها من الغضب.
الورشة، بكل أدواتها ورافعاتها وأرضها، ستنتقل إلى صندوق عمل خاص بالعمال الذين اشتغلوا معي أكثر من خمس سنوات.
كل واحد منهم سيأخذ حصة.
وتدريبًا.
وحقًا في شراء العمل لاحقًا، من دون أن يستطيع أي فرد من العائلة بيعه.
أما حسابات التوفير، فستذهب إلى صندوق لمساعدة مرضى السرطان الذين لا يملكون مرافقًا، بإدارة الطبيب والجمعية الخيرية.
أما سيارتي القديمة، تلك التي كانت سارة تقول دائمًا إن رائحتها زيت وفقر، فستكون من نصيب منتظر، ابن منى.
وقفت سارة فجأة.
هذه كانت لي!
ارتد صراخها بين جدران المكتب.
ولثانية واحدة، رأيت الطفلة التي كانت تركض داخل الورشة بضفيرتين وتطلب مني أن أرفعها على الرافعة.
ثم رأيت المرأة التي تركتني وحدي وبجانبي كأس ماء فارغ.
قلت
لا يا سارة. كانت لمن لم يخجل من قيادتها وهو يأخذني إلى جلسات العلاج.
انهارت على الكرسي.
أما زهراء، فعادت إلى قناعها البارد.
قالت
حيدر، أنت تفعل هذا بدافع الانتقام، وأي قاضٍ سيبطله.
دفع المحامي ملفًا آخر نحوها.
هنا تقارير تثبت أهليته العقلية، وثلاثة تقييمات طبية، وتسجيل توقيع الوصية أمام شاهدين.
ثم أضاف
كما أن السيد حيدر قدّم شكوى رسمية بتهمة التصرف الاحتيالي وخيانة الأمانة.
توقف تنفس زهراء الهادئ.
شكوى؟
قلت
سحبتِ من حسابي مبلغًا كبيرًا خلال فترة علاجي.
التفتت سارة نحوها.
قلتِ لي إن المال كان لدفع مصاريف الأطباء.
فتحت زهراء فمها، لكنها لم تجد من تلقي عليه اللوم.
عرض المحامي التحويلات إلى وسام.
وسيارة شبه جديدة.
واشتراكًا في نادٍ سياحي.
نظرت إليها بلا غضب.
وهذا أخافها أكثر من الصراخ.
قلت
أنتِ لم ترحلي لأن رؤيتي وأنا أموت كانت تحطمك يا زهراء.
أنتِ رحلتِ لأنك كنتِ تصرفين ثمن جنازتي قبل أن أموت.
حاول وسام، الجالس في آخر الغرفة بنظارات سوداء، أن ينهض.
لكن اثنين من رجال الشرطة الذين طلبنا وجودهم للدعم أغلقا الباب.
وأوضح المحامي أن الأمر ليس توقيفًا بعد، بل بقاءً لحين إجراء رسمي.
عاد وسام إلى كرسيه بشجاعة منكمشة.
نظرت إليّ سارة ووجهها مبلل بالدموع.
أبي، أنا لم أكن أعرف موضوع وسام.
قلت
لكنك كنت تعرفين أنك تتركينني وحدي.
قالت
أمي قالت إن الأفضل ألا أتعلق برؤيتك وأنت بهذه الحالة.
كسرتني تلك الجملة في مكان لم يصل إليه السرطان.
حاولت زهراء أن تسكتها، لكن سارة كانت تفرغ ستة أشهر من الكذب.
قالت
قالت لي إنني إذا بقيت أعتني بك فسوف تسحبني معك، وإن لا أحد سيقبل بتوظيف فتاة والدها يموت،
أغمضت عيني.
رأيت أدويتي مصطفة.
وليالي الاختناق.
والرسائل التي بلا رد.
وصوت سيارتها وهي تبتعد.
قلت
كان