دخل حافي القدمين ليستعيد قلادة أمه... ففتحت القلادة سرًا مدفونًا منذ 32 عامًا!
سامحيني لأنني فرطت بابنتك.
قرأت المديرة العبارة بصوت منخفض.
مرة.
ثم مرة أخرى.
وسقطت العلبة الحمراء من يدها.
بقيت القلادة فوق الطاولة الزجاجية، مفتوحة، والصورة القديمة بداخلها ترتجف تحت أضواء متجر الذهب البيضاء.
علي لم يكن يفهم شيئًا.
كان ينظر إلى المرأة الأنيقة، ثم إلى القلادة، ثم إلى عملاته المعدنية.
هل ستعطينني إياها أم لا؟ سأل بخوف مفاجئ أنا جمعت المبلغ كاملًا.
لم تجب هناء.
بقيت تنظر إلى الصورة كأن زجاج الطاولة تحوّل أمامها إلى قبر.
أين أمك؟ همست.
احتضن علي الكيس الفارغ.
في مدينة الصدر. يعني... الآن في البسطة. تبيع الخبز والصمون والشاي قرب السوق.
لم يعد الحارس يتظاهر بالقوة.
والزبونة التي كانت قد وضعت يدها على أنفها، أصبحت تبكي دون أن تخفي دموعها.
أمسكت هناء بالقلادة ويداها ترتجفان.
ما اسمها؟
زينب.
زينب ماذا؟
تردد علي.
كانت أمه قد علّمته ألا يعطي معلومات للغرباء.
لكن هذه المرأة لم تكن تنظر إليه مثل الآخرين.
لم تكن تنظر إليه كأنه متسخ.
بل كانت تنظر إليه كأن شيئًا يولد ويموت داخلها في اللحظة نفسها.
زينب عباس.
وضعت هناء يدها على فمها.
لا.
تراجع علي خطوة.
ماذا حدث؟
فتحت المديرة القلادة أكثر.
كانت الصورة صفراء، أكلتها السنوات من أطرافها. هناء وهي شابة، أفقر بكثير، بشعر مضفور وملابس بسيطة، تحتضن طفلة رضيعة ملفوفة ببطانية
سامحيني لأنني بعت ابنتك. قالوا إن ذلك سينقذنا. أمك.
اضطرت هناء أن تستند إلى الطاولة.
كان لدي ابنة قالت بصوت يكاد لا يُسمع قالوا لي إنها وُلدت ميتة.
قطّب علي حاجبيه.
أمي ليست ميتة.
اخترقت الجملة صمت متجر الذهب كله.
رفعت هناء وجهها.
كم عمر أمك؟
اثنان وثلاثون. ستكمل الثالثة والثلاثين غدًا.
أغمضت المديرة عينيها.
اثنان وثلاثون.
العمر نفسه الذي كان سيكون لطفلتها التي انتُزعت من بين ذراعيها حين كانت مجرد فتاة فقيرة، بلا سند، بلا اسم كبير، وبلا أحد يصدقها.
في الخارج، في شارع الكرادة، كانت السيارات تمر، والناس يدخلون ويخرجون من المحال والمطاعم، حيث قد تكلف وجبة واحدة أكثر مما كان علي يجمعه في شهر كامل.
لكن في الداخل، بين الذهب والساعات، كان أثمن شيء في المكان سلسلة قديمة تفوح منها رائحة المعدن والتعب والوعد.
كم بقيت القلادة هنا؟ سألت هناء موظف الصندوق.
سنة كاملة، سيدتي. دخلت كقطعة مرهونة باسم زينب عباس. وصل رقم 318.
من استلمها منها؟
لست أنا. كان الأستاذ عادل.
تصلّب جسد الحارس فجأة.
لاحظت المديرة ذلك.
عادل؟
لم يتكلم أحد.
شدّ علي قبضتيه.
أمي جاءت وحدها. كانت تبكي. أتذكر ذلك لأني كنت مريضًا وحرارتي مرتفعة، وكانت تحملني. طلبوا منها البطاقة، ثم أعطوها المال.
انحنت هناء أمام الطفل.
لامست بدلتها البيج الأرض حيث كانت آثار الطين.
علي، أحتاج أن أرى أمك.
لا.
أرجوك.
لا أريد أن تخيفوها. أمي خافَت كثيرًا في حياتها.
أغلقت الجملة حلق هناء.
لن أؤذيها.
كل الناس يقولون ذلك.
أومأت المديرة ببطء.
ولم تحاول أن تلمسه.
أنت محق.
نهضت ونظرت إلى الموظفين.
أغلقوا المتجر.
اعترض رجل يرتدي ساعة ذهبية.
عذرًا، كنت أريد رؤية قطعة.
لم تنظر إليه هناء.
ليس اليوم.
هل تعرفين كم كنت سأشتري؟
أقل مما أحضره هذا الطفل الآن.
غضب الرجل وخرج.
وضعت سيدة بطاقة مصرفية فوق الطاولة.
أنا أدفع ثمن القلادة.
نظر إليها علي بكبرياء مجروح.
لا.
رمشت السيدة بدهشة.
يا بني، أريد فقط أن أساعدك.
لم آتِ لأطلب صدقة.
الجملة نفسها.
لكنها هذه المرة بدت أقوى.
جمعت هناء العملات بحذر، ليس لتأخذها، بل لتضعها في صينية.
القلادة لك. أنت دفعت ثمنها.
وماذا عن الباقي؟
ابتلع الحارس ريقه.
ابتسمت هناء وهي تبكي.
والباقي أيضًا.
أعطوه ثلاثمئة ألف دينار بأوراق جديدة.
احتفظ بها علي كأنها أثقل من أكبر قطعة ألماس في المتجر.
ثم أخذت المديرة حقيبتها، والقلادة، ومفاتيح سيارتها.
سأوصلك إلى أمك.
هز علي رأسه.
سأذهب بالباص.
أنت حافي القدمين.
هكذا وصلت.
إذن نشتري لك حذاء أولًا.
لا أملك وقتًا.
علي.
رفع ذقنه.
غدًا عيد ميلادها. وإذا لم أرجع قبل أن تغلق البسطة، ستظن أنني ضعت.
كانت تلك الجملة كافية لتكسر شيئًا داخل هناء.
نظرت إلى الحارس وقالت
أنت ستأتي معنا.
فتح عينيه بدهشة.
أنا؟
نعم. أنت حاولت إخراجه. والآن سترافقه حتى تعتذر من أمه.
خفض الحارس رأسه.
حاضر، سيدتي.
خرجوا من متجر الذهب.
وبقيت الأرض مليئة بآثار صغيرة من الطين، لم يجرؤ أحد على مسحها فورًا.
جلس علي في المقعد الخلفي من السيارة، والقلادة مضمومة إلى صدره. قادت هناء سيارتها من الكرادة باتجاه شرق بغداد، من الشوارع المرتبة والواجهات اللامعة إلى أزقة أضيق، وبسطات خضار، وأسلاك متشابكة، وحافلات مزدحمة.
كان الطفل ينظر من النافذة.
هل أنتِ غنية؟
تأخرت هناء في الإجابة.
نعم.
ولماذا أنتِ حزينة؟
كان السؤال بسيطًا لدرجة أنه آلمها.
لأن المال لم يُعد إليّ ما فقدته.
نظر علي إلى القلادة.
طفلتك؟
شدّت هناء على المقود.
نعم.
أمي تقول إن الأطفال لا يضيعون. الكبار هم الذين يضيّعونهم.
ساد الصمت داخل السيارة.
وصلوا إلى مدينة الصدر حين بدأ لون السماء يميل إلى البرتقالي. قرب السوق، بين بائعي الشاي والصمون والخضار والملابس الرخيصة، كانت هناك بسطة صغيرة.
امرأة بشعر مربوط تقلب الخبز على الصاج وتسكب الشاي للزبائن.
كانت نحيفة.
سمراء.
بعينين متعبتين.
وعند حاجبها الأيمن ندبة صغيرة.
تجمدت هناء في مكانها.
كانت الندبة تشبه الندبة الموجودة في صورة الطفلة.
نزل علي راكضًا.
أمي!
التفتت زينب، في البداية بارتياح، ثم بغضب وخوف.
أين كنت؟ علي، كدت أموت من