تركت ابنة أختي عندي 3 أيام... وفي أول عشاء سألتني: "خالي.. أقدر آكل اليوم؟!"
البداية كانت تخبئ الخبز تحت الوسادة. وقطع الخبز داخل الأدراج. وموزة خلف علبة الألوان. قالت لي الأخصائية النفسية ألا أوبخها، وأن جسدها يتعلم أن الطعام لا يختفي كعقوبة.
لذلك كنت أترك لها كل ليلة سلة صغيرة قرب السرير.
تفاحة.
بسكويت مالح.
كوب ماء.
وورقة بخط كبير
يمكنكِ أن تأكلي عندما تشعرين بالجوع.
في أول مرة قرأتها، سألتني
حتى لو كان بالليل؟
حتى لو كان بالليل.
حتى لو ما كنت مؤدبة تمامًا؟
حتى لو تصرفتِ كطفلة.
لم تبتسم.
لكنها نامت تلك الليلة والورقة تحت وسادتها.
مرت أسابيع.
في أحد أيام الجمعة أخذتها إلى سوق الشورجة. كان هناك ضجيج، محلات، روائح بهارات، رجال ينادون على بضائعهم، نساء يخترن الخضار، وأطفال يطلبون العصير. كانت زينة تمشي ملتصقة بي، لكنها لم تعد تطلب الإذن كي تنظر. توقفت أمام محل صغير يبيع الكبة والمعجنات، وأشارت
أقدر أجرّب؟
كلمة أقدر ما زالت تضغط على قلبي، لكنها هذه المرة بدت مختلفة.
لم تكن خوفًا.
كانت عادة تنكسر.
قلت لها
نعم. وتقدرين أيضًا أن تقولي أريد.
عقدت زينة حاجبيها وهي تركز.
أريد أجرب.
اشتريت لها طبقًا صغيرًا.
أكلت ببطء.
نفخت على الطعام.
مضغت.
ولم يأخذ أحد منها شيئًا.
بعد ذلك مشينا قرب شارع المتنبي. كانت الأشجار تلقي ظلها، وكان رجل يعزف على آلة موسيقية قرب الرصيف. واجهات المحال القديمة بدت كأن الشمس غسلتها للتو. كانت زينة تحمل بالونًا بنفسجيًا مربوطًا بمعصمها، وفي حقيبتها دمية جديدة، بلا خياطة غريبة، وبلا أسرار في داخلها.
قالت فجأة
خالي.
نعم؟
ماما شريرة؟
جلست معها على مقعد قريب.
تأخرت في الرد، لأن الأكاذيب السهلة تؤذي أيضًا.
قلت لها
أمك فعلت أشياء سيئة. أشياء سيئة جدًا. لم تحمك عندما كان يجب أن
نظرت زينة إلى بالونها.
وحسام؟
حسام خطر. ولن يقترب منك.
أبدًا؟
سأفعل كل ما أستطيع حتى لا يحدث ذلك أبدًا.
فكرت قليلًا.
ثم سألت
أنا فعلًا بنت زينة؟
عاد ذلك الخنق إلى صدري.
حملتها ووضعتها على ركبتي، وجعلتها تنظر نحو الشارع، نحو الناس الذين يمرون ويشترون الكتب والعصائر، نحو المدينة التي ما زالت حيّة.
قلت
زينة، أنتِ لا تحتاجين أن تكسبي الطعام. ولا الأحضان. ولا السرير. ولا الضوء في الغرفة. ولا أن يهتم بك أحد. هذه الأشياء لا تُكسب. هذه أشياء لك لأنك طفلة.
امتلأت عيناها بالدموع.
حتى لو أخطأت؟
خصوصًا عندما تخطئين.
حضنتني.
لم يكن جسدها متصلبًا هذه المرة.
استرخى جسدها الصغير على صدري، كأنها أخيرًا استطاعت أن ترتاح قليلًا. بكت دون أن تغطي فمها. تركتها تبكي. وبقي الشارع من حولنا حيًا، بأصوات الناس والخطوات فوق الرصيف.
في
نفسها.
مع البطاطا والجزر والأرز.
وضعت طبقين على الطاولة، ومعهما خبزًا دافئًا ملفوفًا بمنديل قماش. صعدت زينة إلى الكرسي. نظرت إلى الشوربة وهي يتصاعد منها البخار. ثم نظرت إليّ.
لثانية واحدة خفت أن تعود تلك الجملة.
لكنها لم تعد.
أمسكت الملعقة.
نفخت.
وقبل أن تأكل قالت
باچر أريد بيضًا مع فاصوليا.
ضحكت.
لم أستطع منع نفسي.
غدًا سيكون هناك بيض مع فاصوليا.
تذوقت زينة الملعقة الأولى. ثم الثانية. أكلت بهدوء، وقدماها تتدليان من الكرسي، وقد اتسخت ملابس نومها قليلًا.
وعندما انتهت، تركت الملعقة داخل الطبق ومسحت فمها بكمها.
قالت
خالي.
قولي.
اليوم فعلًا كنت جوعانة.
نظرت إليها.
ونظرت إليّ هي أيضًا.
ثم ابتسمت.
لم تكن ابتسامة كبيرة. ولم تكن شفاءً معجزيًا. كانت مجرد فتحة صغيرة من الضوء
لكن من تلك الفتحة، أقسم، بدأت الحياة تدخل.