دعوني أبقَ بضعة أيام فقط

لمحة نيوز

إلى الجلوس في المجلس.
جلس الرجل.
وتبادل حديثًا قصيرًا عن الطقس والزراعة وأحوال القرية.
لكن يوسف الذي كان يقف في الخارج شعر منذ اللحظة الأولى أن الرجل لم يأت من أجل المجاملات.
وبالفعل.
لم تمض دقائق كثيرة حتى أخرج فهد ملفًا أنيقًا من حقيبته الجلدية.
ووضعه أمام الحاج سالم.
وقال
جئت اليوم بعرض جديد.
نظر الحاج سالم إلى الملف.
ثم أعاد بصره إلى الرجل.
دون أن يفتحه.
فأكمل فهد
أعلم أنك رفضت العروض السابقة، لكن الظروف تغيرت يا أبا خالد، والعمر لم يعد كما كان، وإدارة المزرعة أصبحت تحتاج إلى جهد كبير وأموال كثيرة.
ظل الحاج سالم صامتًا.
فواصل الرجل حديثه
لنكن واقعيين.
المزرعة تحتاج إلى إصلاحات.
والمواشي تحتاج إلى رعاية أكبر.
وأنت لم تعد شابًا.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
وأضاف
وقد سمعت أن القطيع كاد يضيع بالكامل منذ أيام.
تجمدت ملامح يوسف الذي كان يستمع من بعيد.
أما الحاج سالم فقد ضيق عينيه قليلًا.
وقال
ومن أخبرك بذلك؟
قال
الناس تتحدث.
أكمل فهد
وأنا لا أريد سوى مصلحتك. خذ المال واسترح واترك عنك هذا التعب.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم دفع الحاج سالم الملف نحوه.
وقال بهدوء حاسم
لقد أخبرتك من قبل وأخبرك الآن للمرة الأخيرة. هذه الأرض ليست للبيع.
اختفت الابتسامة عن وجه فهد.
للحظة واحدة فقط. ثم عادت من جديد.
لكنها بدت مصطنعة هذه المرة.
نهض الرجل ببطء. وأغلق الملف.
وقال
أحيانًا يتمسك الإنسان بشيء أكثر مما ينبغي.
فرد الحاج سالم
وأحيانًا ينسى الإنسان أن بعض الأشياء لا تُشترى بالمال.
غادر فهد المزرعة.
لكن شعورًا ثقيلًا بقي خلفه.
شعور لم يستطع يوسف تفسيره.
وفي تلك الليلة لم يفارق وجه الرجل ذهنه.. خصوصًا عندما تذكر الطريقة التي ذكر بها حادثة القطيع.
وكأنه يعرف عنها أكثر مما ينبغي. وفي صباح اليوم التالي خرج يوسف كعادته لتفقد أطراف المزرعة.
وكان لا يزال يفكر فيما حدث.
وعندما
وصل إلى الجهة الجنوبية من الحظيرة لاحظ شيئًا غريبًا.
توقف فورًا.
ثم انحنى نحو الأرض.
كانت هناك آثار أقدام واضحة نسبيًا فوق الطين المتبقي من الأمطار.
آثار لا تعود لأحد من العمال.
لأن اتجاهها كان يأتي من خارج المزرعة لا من داخلها.
تتبعها ببطء.
حتى وصل إلى موضع قريب من البوابة التي خرج منها القطيع ليلة العاصفة.
وهناك وجد شيئًا آخر.
قطعة صغيرة من القماش الأسود عالقة بأحد المسامير.
وكأنها تمزقت أثناء مرور أحدهم.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم شعر بقشعريرة تسري في جسده.
لأن شكوكه بدأت تتحول إلى يقين.
وعندما أخبر الحاج سالم بما وجده، ازداد اقتناع الرجل بأن أحدًا فتح البوابة عمدًا.
ولم تكن تلك هي المفاجأة الوحيدة.
فأثناء فحصهما للبوابة مرة أخرى لاحظ يوسف آثار خدوش قديمة حول موضع القفل.
خدوش لا يمكن أن تصنعها الرياح.
ولا يمكن أن تكون نتيجة الاستعمال العادي.
بل بدت وكأن شخصًا حاول العبث بالقفل باستخدام أداة معدنية.
وقف الحاج سالم صامتًا.
ثم قال
إذن لم يكن ما حدث صدفة.
أجاب يوسف
لا أعتقد ذلك.
وأظن أن هناك من يريد إلحاق الضرر بالمزرعة.
ساد الصمت بينهما.
لكن اسمًا واحدًا كان يدور في ذهن كل منهما.
فهد المنصور.
ومع ذلك لم يكن لديهما دليل واحد يمكن أن يثبت شيئًا.
مرت الأيام التالية ببطء.
وتزايد التوتر في المزرعة.
حتى إن الحاج سالم بدأ يطلب من العمال التأكد من إغلاق الحظائر أكثر من مرة كل ليلة.
أما يوسف فصار يتفقد الأسوار بنفسه قبل النوم.
وكان يشعر أن هناك شيئًا يقترب.
شيئًا لم يظهر بعد.
ثم جاء المساء الذي قلب كل شيء.
فبعد صلاة العشاء بقليل.
وبينما كان الجميع يستعدون للنوم.
سمعوا طرقات مترددة على بوابة المزرعة.
خرج يوسف أولًا.
ثم تبعه الحاج سالم.
وعندما فتحا البوابة وجدا رجلًا يقف في الظلام.
كان يبدو مضطربًا.
ويتلفت حوله باستمرار.
وكأنه يخشى أن يكون أحد قد
رآه.
قال بصوت مرتجف
أريد التحدث إلى الحاج سالم.
أدخلوه إلى المجلس.
وجلس الرجل فوق المقعد الخشبي.
وكان العرق يتصبب من جبينه رغم برودة الليل.
نظر إليه الحاج سالم.
وقال
خيرًا إن شاء الله.
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة.
وظل صامتًا للحظات.
ثم قال
جئت لأن ضميري لم يعد يحتمل.
شعر يوسف بأن قلبه بدأ يخفق بسرعة.
وساد الصمت في المجلس.
ثم أكمل الرجل
منذ ليلة العاصفة وأنا لا أنام.
نظر إليه الحاج سالم باهتمام.
وقال
تكلم.
خفض الرجل رأسه.
ثم قال بصوت مكسور
أنا أعرف من فتح بوابة الحظيرة.
تجمد الجميع في أماكنهم.
وأضاف
بل أعرف ذلك جيدًا
وتوقف لحظة.
ثم رفع رأسه.
وقال الجملة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب
لأن الرجل الذي فتحها فعل ذلك مقابل المال
ارتعشت شفتاه.
وأكمل
وقد دفع له شخص معروف في المنطقة كي يتسبب في خروج القطيع ويجبرك على بيع المزرعة.
ساد صمت ثقيل.
أما الحاج سالم ويوسف فقد أدركا في تلك اللحظة أن ما ظناه مجرد شكوك
كان في الحقيقة بداية مؤامرة أكبر بكثير مما تخيلا.
أما الحاج سالم ويوسف فقد أدركا في تلك اللحظة أن ما ظناه مجرد شكوك
كان في الحقيقة بداية مؤامرة أكبر بكثير مما تخيلا.
ساد المجلس صمت ثقيل.
ولم يكن يُسمع سوى صوت الريح وهي تداعب نوافذ البيت الطيني العتيق، بينما جلس الرجل الغريب مطأطئ الرأس وكأنه يحمل فوق كتفيه جبلًا من الندم أثقل من أن يحتمله بشر.
نظر إليه الحاج سالم طويلًا.
ثم قال بصوت هادئ رغم ما يعتمل في صدره
قل كل ما عندك.
ابتلع الرجل ريقه.
ثم قال
أنا أعمل منذ سنوات مع بعض المقاولين الذين يتعاملون مع فهد المنصور، وقبل أسابيع سمعت حديثًا بين اثنين من رجاله عن هذه المزرعة، وكانوا يقولون إن صاحبها عجوز يرفض البيع مهما ارتفع الثمن، وإنه لا بد من دفعه إلى اليأس حتى يوافق.
تجمدت ملامح يوسف.
أما الحاج سالم فظل صامتًا.
وأكمل الرجل
في البداية لم أهتم
بالأمر، لكن قبل ليلة العاصفة بيوم واحد رأيت أحد العمال يتلقى مبلغًا كبيرًا من المال مقابل تنفيذ مهمة بسيطة.
سأله يوسف بسرعة
أي مهمة؟
أجاب الرجل
فتح بوابة الحظيرة في الوقت المناسب وترك الباقي للفوضى.
شعر يوسف بأن الدم يغلي في عروقه.
بينما أغمض الحاج سالم عينيه للحظات.
ليس لأنه صُدم.
بل لأن شكوكه القديمة أصبحت حقيقة.
وأكمل الرجل حديثه
كنت أخاف أن أتكلم، لكن عندما سمعت أن القطيع كاد يضيع وأن الناس خاطروا بحياتهم لإنقاذه، لم أعد قادرًا على الصمت.
ثم رفع رأسه.
وقال بحزم
وأقسم بالله أنني مستعد للشهادة أمام الجميع.
وفي صباح اليوم التالي انتشر الخبر في القرية كلها.
واجتمع عدد من كبار الأهالي وأصحاب الأراضي في مجلس القرية بعد صلاة العصر.
وكان فهد المنصور واثقًا أن الأمر مجرد إشاعات لن تؤثر عليه.
لذلك حضر بنفسه.
ودخل المجلس مرفوع الرأس.
لكن ثقته بدأت تتزعزع عندما رأى الرجل الذي جاء إلى المزرعة الليلة الماضية جالسًا بين الحضور.
ثم ازدادت اضطرابًا عندما بدأ الشاهد يروي ما يعرفه أمام الجميع.
وبعده تحدث عامل آخر.
ثم ثالث.
ولم تمض ساعة واحدة حتى بدأت خيوط القصة تكتمل قطعة بعد أخرى.
شهادات متفرقة.
وأسماء متكررة.
وأموال دُفعت في الخفاء.
ووعود قُدمت لمن يساهم في إضعاف المزرعة ودفع صاحبها إلى بيعها.
وحينها أدرك الجميع أن ما حدث لم يكن حادثًا عابرًا.
بل خطة كاملة أُعدت بعناية.
وقف فهد فجأة.
وحاول إنكار كل شيء.
لكن الارتباك كان واضحًا على وجهه.
وكانت كلماته تتعثر للمرة الأولى.
أما الحاج سالم فقد ظل جالسًا في مكانه.
لا يتحدث.
ولا يقاطع أحدًا.
حتى انتهى الجميع من كلامهم.
ثم نهض ببطء.
وقال بصوت سمعه كل من في المجلس
عشت عمري كله في هذه الأرض، وربيت أولادي فيها، ودفنت فيها ذكريات لا يشتريها مال الدنيا كلها، ومن أراد أن ينافسني فلينافسني بالشرف والعمل، لا بالغدر
والخداع.
ساد الصمت.
وانخفضت رؤوس كثيرة احترامًا لكلماته.
أما فهد المنصور فلم يجد ما يقوله.
وغادر المجلس تحت نظرات الناس.
ومنذ ذلك اليوم بدأت سمعته تتهاوى في المنطقة كلها.
وتوقفت مشاريعه
تم نسخ الرابط