دعوني أبقَ بضعة أيام فقط

لمحة نيوز

دعوني أبقَ بضعة أيام فقط وسأعتني بماشيتكم.
كانت تلك الجملة الوحيدة التي قالها الفتى المتشرد وهو يقف تحت المطر أمام بوابة مزرعة آل سالم.
أما الحقيقة الكاملة
فكانت أكثر تأثيرًا مما توقعه جميع من في المزرعة.
في صباح اليوم التالي لتلك الليلة العاصفة، استيقظ أهل مزرعة آل سالم على أصوات الديكة وهي تعلن قدوم النهار، بينما كان الضباب الخفيف لا يزال يغطي أطراف الحقول الممتدة حول القرية، وكانت آثار المطر واضحة فوق الأرض الطينية التي تحولت في بعض المواضع إلى برك صغيرة تعكس أشعة الشمس الأولى.
خرج الحاج سالم بعد صلاة الفجر كعادته.
كان يحمل مسبحته بين أصابعه.
ويردد أذكار الصباح بصوت خافت.
لكن ذهنه لم يكن حاضرًا بالكامل.
فمنذ الليلة الماضية لم تغب عن عقله تلك الكلمات التي سمعها من يوسف وهو يحاول إنقاذ العجل الصغير من وسط الفوضى.
لن أسمح بأن تضيع أرض أخرى بسببي.
كانت كلمات ثقيلة.
أثقل من أن يقولها شاب في مثل عمره دون أن يحمل وراءها قصة طويلة من الندم والألم.
أما يوسف نفسه فكان قد خرج إلى الحظائر قبل الجميع.
وكأنه يحاول الهروب من الأسئلة التي يعرف أنها ستطارده عاجلًا أم آجلًا.
وقف بين المواشي يملأ المشارب بالماء.
ويطمئن على الأبقار واحدة تلو الأخرى.
لكن عقله لم يكن في العمل.
بل كان عالقًا في الماضي.
في أيام ظن أنه دفنها إلى الأبد.
اقترب منه الحاج سالم بعد شروق الشمس بقليل.
وظل يراقبه للحظات.
ثم قال بهدوء
يوسف.
التفت الفتى نحوه.
نعم يا عم سالم؟
تنهد الرجل طويلًا.
ثم قال
أعرف أنني لا أملك الحق في إجبارك على الحديث، لكنني أريد أن أسألك عن شيء واحد.
ساد الصمت.
وأدرك يوسف فورًا ما الذي يقصده.
فقال بصوت خافت
تقصد ما قلته ليلة العاصفة.
أومأ الحاج سالم برأسه.
وأضاف
أحيانًا يريح الإنسان قلبه عندما

يتكلم.
انخفضت عينا يوسف نحو الأرض.
وبقي صامتًا لثوانٍ طويلة.
ثم جلس فوق جذع شجرة قريب.
وقال
لم أتحدث عن هذا الأمر مع أحد منذ سنوات.
وجلس الحاج سالم إلى جواره.
منتظرًا.
وقال يوسف
كنت أعيش مع أبي وأمي وأختي الصغيرة في قرية بعيدة عن هنا بعدة ساعات، وكانت حياتنا بسيطة جدًا، فلم نكن أغنياء، لكننا لم نكن نشعر بالحاجة إلى شيء، لأن أبي كان يملك قطعة أرض ورثها عن جدي، وكان لدينا عدد من الأغنام والأبقار التي توفر لنا رزقًا يكفينا ويجعلنا نحمد الله على ما نحن فيه.
ابتسم ابتسامة حزينة.
ثم تابع
كنت أرافق أبي إلى الحقول منذ طفولتي، وكنت أظن أن تلك الحياة ستبقى كما هي إلى الأبد.
سكت قليلًا.
ثم تغيرت ملامحه.
وقال
لكن أبي مرض فجأة.
انخفض صوته أكثر.
وفي أقل من عام فقدناه.
أطرق الحاج سالم رأسه.
وردد
رحمه الله.
قال يوسف
آمين.
ثم أكمل حديثه.
بعد وفاته تغير كل شيء، فقد وجدت نفسي فجأة مسؤولًا عن الأرض والمواشي وعن أمي وأختي، وكان عمري آنذاك ستة عشر عامًا فقط، لكنني كنت أظن أنني قادر على تحمل المسؤولية وحدي.
تنهد بمرارة.
وأضاف
وذلك كان أكبر خطأ ارتكبته في حياتي.
كانت الرياح تحرك أوراق الأشجار حولهما.
بينما استمر يوسف في الكلام وكأنه يفرغ سنوات طويلة من الألم.
في البداية حاولت المحافظة على كل شيء كما كان يفعل أبي، لكن مواسم الزراعة لم تكن جيدة، وبعض المواشي مرضت، وبدأت المصاريف تتزايد، وحينها ظهر أشخاص قالوا إنهم يريدون مساعدتي.
رفع رأسه قليلًا.
ثم قال
كنت صغيرًا وساذجًا.
فوثقت بهم.
وثقت بكل كلمة قالوها.
ووقعت على أوراق لم أفهمها.
واستدنت المال وأنا أظن أنني سأتمكن من سداده خلال أشهر قليلة.
أغمض عينيه.
وكأنه يرى المشهد أمامه من جديد.
لكن الديون كانت تكبر أسرع من قدرتي على السداد.
وفي كل مرة كنت
أظن أنني اقتربت من الخروج من الأزمة كنت أكتشف أنني غرقت أكثر.
شعر الحاج سالم بغصة في حلقه.
لأنه بدأ يدرك النهاية.
لكن يوسف أكمل.
ثم جاء اليوم الذي اضطررت فيه إلى بيع بعض المواشي.
وبعدها اضطررت إلى بيع المزيد.
ثم جاء اليوم الذي فقدت فيه الأرض كلها.
ارتجفت شفتاه.
وقال بصوت بالكاد سمعه الحاج سالم
الأرض التي عاش عليها أبي وجدي.
الأرض التي كنت أظن أنها ستبقى لأبنائي يومًا ما.
ضاعت.
ساد الصمت.
ولم يسمع في المكان سوى أصوات المواشي البعيدة.
ثم أكمل يوسف
بعدها مرضت أمي.
كانت تحاول أن تبدو قوية أمامي.
لكنني كنت أراها تبكي كل ليلة.
وكانت تشعر أن تعب عمر أبي كله ضاع.
ابتلع غصته.
وأكمل
أما أختي فكانت أصغر من أن تفهم ما حدث.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
أن كل شيء اختفى.
انخفض صوته أكثر.
ومع مرور الوقت بدأت تحملني المسؤولية.
وكنت أحمل نفسي المسؤولية قبلها.
رفع يده ومسح دمعة سقطت رغماً عنه.
وقال
وعندما توفيت أمي بعد ذلك بعامين لم تعد أختي قادرة على النظر إلي.
كانت ترى في وجهي سبب كل ما حدث.
وفي آخر مرة رأيتها فيها قالت لي إنها تتمنى لو أن أبي هو من بقي حيًا بدلاً مني.
أغلق عينيه.
وكأن الجملة لا تزال تؤلمه رغم مرور السنوات.
أما الحاج سالم فشعر بألم حقيقي في قلبه.
لأنه رأى أمامه شابًا لم يخسر أرضًا فقط.
بل خسر أسرته كلها.
وقال يوسف
في تلك الليلة غادرت القرية.
وتركت كل شيء خلفي.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أتنقل من مكان إلى آخر.
أعمل أيامًا وأرحل أيامًا.
وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما حدث لم يكن خطئي كله.
ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
وأضاف
لكنني لم أستطع.
ولهذا عندما خرج القطيع ليلة العاصفة شعرت وكأن الماضي يعود من جديد.
وشعرت أنني سأخسر مكانًا آخر بسبب عجزي.
نظر إليه الحاج سالم طويلًا.
ثم
وضع يده على كتفه.
وقال
يا بني
بعض الأخطاء نتعلم منها.
لكن لا يجوز أن نحكم على أعمارنا كلها بسببها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعر يوسف أن أحدًا لا ينظر إليه كمذنب.
بل كإنسان أنهكته الحياة.
لكن بينما كان الحديث يدور بينهما
كان هناك شخص آخر يفكر في المزرعة بطريقة مختلفة تمامًا.
شخص لم يكن يرى فيها ذكريات أو أرض آباء وأجداد.
بل كان يرى فيها صفقة ينتظر إتمامها منذ سنوات.
ولم يكن يعلم أحد أن ذلك الشخص كان يقترب منهم أكثر فأكثر.
مرت عدة أيام بعد ذلك الحديث.
ورغم أن يوسف عاد إلى عمله كعادته، فإن شيئًا ما كان قد تغير في داخله.
فبعد سنوات طويلة قضاها هاربًا من ذكرياته، وجد نفسه للمرة الأولى يروي قصته كاملة لأحد، وكأن الكلمات التي ظل يحملها فوق صدره كل تلك السنوات بدأت تخفف شيئًا من ذلك الحمل الثقيل الذي لازمه منذ مغادرته قريته.
أما الحاج سالم فقد أصبح ينظر إليه بعين مختلفة.
لم يعد يراه مجرد فتى متشرد جاء يبحث عن مأوى.
بل صار يراه شابًا أنهكته الحياة مبكرًا، وخسر أكثر مما ينبغي لإنسان في مثل عمره.
وكانت أم خالد أكثر من شعر بذلك.
فكلما رأته يعمل تحت الشمس الحارقة أو يحمل الأعلاف الثقيلة مع العمال، كانت تدعو له في سرها أن يعوضه الله خيرًا عما فقده.
وفي إحدى الأمسيات، وبعد صلاة المغرب مباشرة، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام بوابة المزرعة.
لم تكن من السيارات التي يراها أهل القرية كثيرًا.
ولهذا التفتت الأنظار إليها فورًا.
نزل منها رجل في أواخر الخمسينيات.
يرتدي ثوبًا فاخرًا وساعة باهظة الثمن.
ويمشي بثقة من اعتاد أن يحصل على ما يريد.
عرفه الحاج سالم من اللحظة الأولى.
كان فهد المنصور.
أحد أكبر المستثمرين في المنطقة.
ورجلًا اشتهر بشراء الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مشاريع تجارية وسياحية.
وقد
حاول أكثر من مرة شراء مزرعة آل سالم.
لكن محاولاته كانت تنتهي دائمًا بالفشل.
تقدم الرجل مبتسمًا.
وقال
السلام عليكم يا أبا خالد.
رد الحاج سالم التحية ببرود.
ثم دعاه
تم نسخ الرابط