كنت أطعم كلبًا متشردًا قطعة لحم كل مساء
رأسي سريعًا.
ورفضت الفكرة فورًا.
لا.
هذا مستحيل.
لا يمكن أن يكون الأمر متعلقًا به.
لابد أن هناك سببًا آخر.
في تلك اللحظة تجاوز الكلب سورًا قصيرًا من الخلف.
ثم اختفى بين الأشجار.
وقفت مترددًا.
ثم تبعته.
كانت الحديقة الخلفية مظلمة.
لكن ضوء القمر كان كافيًا لرؤية المكان.
بحثت عنه بعيني.
فوجدته يقف بجوار شجرة كبيرة في أقصى الحديقة.
ولم يكن يتحرك.
كان يحفر الأرض بمخالبه.
ثم يتوقف.
ثم ينظر إليّ.
ثم يعود للحفر من جديد.
اقتربت منه ببطء.
ولم أفهم ما الذي يحاول فعله.
لكن شيئًا داخلي دفعني إلى الانحناء.
والنظر إلى التراب الذي بعثره.
وفجأة لمحت طرف قماش قديم يخرج من الأرض.
تجمدت في مكاني.
وانحنيت أكثر.
ثم بدأت أزيح التراب بيدي.
شيئًا فشيئًا.
حتى ظهرت قطعة قماش أكبر.
ثم ظهر تحتها صندوق خشبي.
وفي اللحظة التي رأيت فيها الصندوق
شعرت وكأن الدم تجمد في عروقي.
لأنني كنت أعرفه.
أعرفه جيدًا.
لقد رأيته مئات المرات.
كان الصندوق نفسه الذي خبأت فيه مدخراتي.
الصندوق
تراجعت خطوة إلى الخلف.
غير قادر على استيعاب ما أراه.
ثم عدت بسرعة وأزلت بقية التراب.
وأخرجت الصندوق بالكامل.
كانت يداي ترتجفان.
وقلبي يكاد يقفز من صدري.
فتحت الغطاء.
ونظرت إلى الداخل.
وعندها اختفت كل الشكوك.
كانت الأموال هناك.
كلها.
الرزم نفسها.
والأكياس نفسها.
وحتى الورقة الصغيرة التي كتبت عليها قبل أشهر المبلغ الذي ادخرته.
جلست على الأرض.
أحدق في الصندوق.
ثم في المنزل.
ثم في الكلب.
وكأنني عاجز عن تصديق الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت أمامي.
واضحة.
وقاسية.
ومؤلمة.
الرجل الذي كنت أعتبره صديقًا
هو من سرقني.
الرجل الذي واساني
هو من تسبب في ألمي.
الرجل الذي صافحني كل صباح
كان يخفي خلف ابتسامته وجهًا آخر لم أعرفه يومًا.
لم ألمس المال.
ولم أنقله.
بل أعدت إغلاق الصندوق.
ثم اتصلت بالشرطة.
وجاءت الدوريات بعد وقت قصير.
وعندما بدأوا التحقيق لم يستغرق الأمر طويلًا.
فالأدلة كانت واضحة.
والمال دُفن داخل أرضه.
وبعد ساعات قليلة انهار الرجل
اعترف بأنه كان يعرف منذ سنوات أنني أجمع المال.
واعترف بأنه راقبني طويلًا.
واعترف بأنه دخل المنزل في الليلة التي غبنا فيها لساعات.
وسرق الصندوق.
ثم أخفاه في حديقته إلى أن يجد طريقة لنقله.
لكن ما لم يكن يعرفه
أن هناك شاهدًا واحدًا رآه.
شاهدًا لم يستطع أن يتكلم.
ولم يستطع أن يذهب إلى الشرطة.
لكنه لم ينسَ ما رآه.
كان ذلك الكلب.
فقد اعتاد الوقوف أمام المنزل.
واعتاد التجول في الحي.
ورأى الرجل وهو يدفن الصندوق.
ثم ظل يحاول طوال الأيام التالية أن يقودني إلى المكان.
بطريقته الخاصة.
الطريقة الوحيدة التي يعرفها.
وبعد انتهاء القضية بأيام عاد المال إليّ كاملًا.
وعندما حملت الصندوق بين يدي للمرة الثانية
لم أشعر بالفرح كما توقعت.
بل شعرت بشيء مختلف.
شعرت أن الله لم يرد إليّ مالي فقط.
بل رد إليّ يقيني أيضًا.
يقيني بأن الخير لا يضيع.
وبأن المعروف الذي يخرج من القلب لا يختفي مهما مرت عليه السنوات.
في ذلك المساء عدت إلى المنزل.
وكان الكلب مستلقيًا
اقتربت منه.
وجلست بجواره.
ثم وضعت يدي فوق رأسه.
وظللت صامتًا لعدة لحظات.
لم يكن يعرف قيمة المال الذي أعاده إليّ.
ولم يكن يفهم معنى السرقة أو الخيانة أو الأحلام التي كادت تضيع.
لكنه فهم شيئًا واحدًا فقط.
أنه رأى صاحبه حزينًا.
فحاول أن يساعده.
بالطريقة التي استطاعها.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد أهل الحي يسخرون من وقوفه أمام المحل.
بل صار الجميع يعرف قصته.
وأصبح كل من يمر به يربت على رأسه أو يقدم له الطعام.
أما أنا فكلما رأيته أتذكر درسًا لن أنساه ما حييت.
فليس كل من يبتسم لك صديقًا.
وليس كل من يعجز عن الكلام عاجزًا عن الوفاء.
وقد يقف إلى جوارك في وقت الشدة مَن لا تملك معه لغة مشتركة.
بينما يخذلك من كنت تظنه أقرب الناس إليك.
وأدركت أخيرًا أن الخير يشبه البذور.
قد تدفنها في الأرض ثم تنساها.
وقد تمر عليها الأيام والسنوات دون أن ترى منها شيئًا.
لكنها في الوقت الذي يختاره الله
تنبت.
وتعود إليك بصورة أجمل مما تخيلت.
فاصنع المعروف ما استطعت.
ولا
لأن بعض الأيادي لا تستطيع أن تصافحك.
وبعض الألسنة لا تستطيع أن تشكرك.
لكن الله لا يضيع أجر الخير أبدًا.