عاد قبل موعده بيومين ليطلب الزواج منها... فسمعها تُحطم قلب ابنه خلف الباب!
من خلفه
ماذا تقصد؟
وقف فهد ببطء.
واستدار نحوها.
ثم قال
رأيت كل شيء.
شحبت ملامحها.
ماذا؟
وصلت منذ فترة. كنت خلف الباب. سمعتك وأنت تهينين ابني. سمعتك وأنت تصفينه بالعبء. رأيتك وأنت تجبرين أمينة على الركوع. رأيتك وأنت تحاولين انتزاع آخر ذكرى من أمه. رأيتك يا ريم. رأيت حقيقتك كاملة.
حاولت أن تبتسم.
وقالت
ليس كما يبدو. كنت متوترة فقط. وأنت تعرف أن التعامل مع طفل مثل سعود ليس سهلًا.
قال فهد بحزم
أنتِ لستِ أمه.
سقطت الكلمات كالصاعقة.
ورمشت ريم عدة مرات.
انحنى فهد والتقط الأوراق النقدية من الأرض واحدة تلو الأخرى.
وسواها بعناية.
وكأنها شيء ثمين للغاية.
ثم قال
هذه الأموال أثمن من كل مجوهراتك. أمينة رمتها على الأرض دفاعًا عن كرامتها وراحة ابني. وأنت احتقرتها لأنك لا تعرفين قيمة الأشياء إلا إذا كانت تلمع.
ثم التفت إلى أمينة.
وقال
سامحيني.
بقيت أمينة عاجزة عن الكلام.
أستاذ...
لا. سامحيني أنتِ. لأنني لم أرَ الحقيقة. ولأنني تركتك وحدك تدافعين عن ابني. ولأنني دفعت لك راتبًا ولم أدرك أن ما كنت تمنحينه لسعود لا يُقدّر بثمن.
وبكى سعود من جديد.
لكن هذه المرة كانت دموعًا مختلفة.
اقتربت ريم بيأس.
وقالت
فهد، لا يمكنك أن تفعل هذا بي. بطاقات الدعوة أُرسلت. وفستان الزفاف جاهز. ماذا سيقول الناس؟
ضحك فهد ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
وقال
أهنْتِ طفلًا في السادسة من عمره... وما زلتِ تفكرين في حفل الزفاف.
أنا أحبك.
لا. أنتِ تحبين مالي.
أدخل يده في جيبه.
وأخرج علبة المخمل.
فتحها.
وتلألأ الألماس تحت أضواء المطبخ.
نظرت ريم إليه بأمل يائس.
لكن فهد أغلق العلبة.
وقال
كان هذا الخاتم وعدًا. كنت أنوي أن أطلب منك أن تكوني جزءًا من عائلتي. لكن العائلة لا تُشترى بالألماس. العائلة تُبنى بالمحبة. وأنتِ لا تحملين المحبة لأحد.
وبدأت ريم تبكي فعلًا.
وقالت
لا يمكنك
فأجاب
أنتِ من تركتِ نفسك بنفسك.
أخرج فهد هاتفه.
واتصل بقسم الأمن في الفيلا.
وقال
يا خالد، تعال إلى المطبخ أنت ورجلان من الفريق. الآن.
وصله الصوت من الطرف الآخر سريعًا
حاضر يا أستاذ فهد.
صرخت ريم بغضب
ماذا تفعل؟
قال بهدوء بارد
الأخت ريم ستغادر الفيلا اليوم.
اتسعت عيناها.
ماذا؟!
سمعتِ ما قلته.
هل تظن أنني سارقة؟
قال فهد
لا.
ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى عينيها
بل شيء أسوأ من ذلك. شخص يؤذي طفلًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه عندما يعتقد أن لا أحد يراقبه.
رفعت ريم يدها وكأنها تريد صفعه.
لكنها توقفت عندما رأت النظرة في عينيه.
كانت المرة الأولى التي تنظر فيها إلى فهد ولا ترى الرجل الذي كانت تعرفه.
قالت بمرارة
ستندم. لن يجد أحد نفسه مستعدًا لتحمل طفل محطم مثله.
تقدم فهد خطوة واحدة نحوها.
وقال
ابني ليس محطمًا.
ثم أشار إلى صدرها.
المحطم هو ما بداخلك أنتِ.
في تلك اللحظة ظهر خالد، رئيس الأمن، عند مدخل المطبخ.
وخلفه اثنان من أفراد الأمن.
نظرت ريم حولها.
إلى فهد.
إلى أمينة.
إلى سعود.
وإلى العاملين الذين بدأوا يطلون من الممرات بعد أن سمعوا الأصوات.
وفي تلك اللحظة سقط القناع تمامًا.
صرخت
أنتم جميعًا جاحدون! كنت سأرفع مستوى هذه العائلة!
تكلمت أمينة لأول مرة منذ دخول فهد.
وقالت بهدوء
الرقي لا يكون في الفستان يا أستاذة ريم... الرقي يكون في الأخلاق.
حاولت ريم الرد.
لكن الكلمات خانتها.
فاستدارت غاضبة وصعدت إلى جناح الضيوف لتجمع أغراضها.
وبعد دقائق قليلة خرجت من الفيلا تجر حقيبة سفر كبيرة.
وكان مكياجها قد اختلط بدموعها.
أما كبرياؤها فقد تحطم بالكامل.
راقبها الجميع وهي تغادر.
وبعد أن اختفت السيارة في نهاية الشارع، خيّم الصمت على المكان.
عاد فهد إلى المطبخ.
فوجد أمينة تنظف بقعة العصير من الأرض.
قال فورًا
لا تفعلي ذلك.
رفعت رأسها
هذا عملي يا أستاذ فهد.
هز رأسه.
وقال
لا.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
يبدو أن عملك تغيّر منذ اليوم.
وقفت أمينة حائرة.
فاقترب منها فهد وهو يحمل الأوراق النقدية في يده.
وقال
هذه لك.
هزت رأسها بسرعة.
لا يا أستاذ. لقد دفعتها فقط من أجل...
قاطعها بلطف
هذه لك.
ثم أضاف
وغدًا أريد أن يأتي محامي العائلة. سنعيد ترتيب كل شيء. عقدك. تأمينك الطبي. تقاعدك. وكل الحقوق التي كان يجب أن تحصلِي عليها منذ سنوات.
بقيت أمينة تنظر إليه غير مصدقة.
وقالت بصوت متأثر
لم أفعل ما فعلته من أجل المال.
ابتسم فهد.
وقال
أعرف ذلك.
ثم نظر إليها بعينين ممتلئتين بالامتنان.
ولهذا السبب تستحقينه.
في تلك اللحظة فتح سعود ذراعيه نحوها.
وقال
نانا... هل ستبقين معنا؟
نظرت أمينة إلى فهد.
فأومأ برأسه دون تردد.
وقال
إذا أرادت، فهذه الفيلا ستكون بيتها دائمًا.
انحنت أمينة نحو الطفل.
وضمته إلى صدرها.
وقالت
بالطبع سأبقى يا حبيبي.
اقترب فهد منهما.
ووضع ذراعيه حولهما معًا.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة لم يشعر أن الفيلا واسعة وفارغة.
بل شعر أنها منزل حقيقي.
في تلك الليلة لم ينم فهد في جناحه الخاص.
بل بقي في غرفة سعود.
جلس إلى جانب سريره يراقب أنفاسه الهادئة.
وكان الطفل نائمًا وهو يحتضن حصانه الخشبي القديم.
دخلت أمينة تحمل كوبًا من البابونج.
وضعت الكوب على الطاولة الجانبية.
ثم قالت بهدوء
ستظل تلوم نفسك كثيرًا، أليس كذلك؟
نظر فهد إلى ابنه النائم.
وقال
أستحق ذلك.
هزت أمينة رأسها.
وقالت
لا.
ثم جلست على الكرسي المقابل.
ما تستحقه هو أن تفعل الأفضل من الآن فصاعدًا.
صمت فهد للحظات.
ثم قال
ليس من الغد.
ونظر إلى ابنه.
من اليوم.
وقد فعل ذلك بالفعل.
ألغى الزفاف بالكامل.
ولم يقدم تبريرات طويلة لأحد.
اكتفى بالقول إنه اكتشف حقيقة لا يمكن أن تتوافق مع عائلته.
بدأ البعض يتحدث.
وبدأ
وحاولت ريم أن تظهر بمظهر الضحية.
لكن كل من يعرف فهد لاحظ شيئًا واحدًا.
أنه أصبح أكثر تمسكً
بابنه من أي وقت مضى.
أعاد تجهيز الفيلا لتناسب احتياجات سعود بشكل أفضل.
وقلّل كثيرًا من سفره.
وتعلم إعداد البطاطس المهروسة بالطريقة التي كانت أمينة تصنعها بها.
ورغم أن محاولاته الأولى كانت فاشلة ومليئة بالتكتلات، فإن سعود كان يأكلها ويضحك.
وأصبح يرافق ابنه إلى الحديقة.
وإلى السينما.
وإلى جلسات العلاج.
والأهم من ذلك كله...
أنه أصبح بجانبه كلما شعر بالخوف أو بالحزن.
ومرت سنة كاملة.
وفي عيد ميلاد سعود التالي أقيم الاحتفال في الحديقة الخلفية للفيلا.
لم يكن هناك استعراض للثراء.
ولا ضيوف يبحثون عن المصالح.
بل كانت هناك بالونات ملونة.
وموسيقى هادئة.
وكعكة شوكولاتة كبيرة.
وأطفال يركضون ويضحكون في كل مكان.
أما سعود فكان يضحك أكثر مما ضحك طوال السنوات الماضية.
وفي نهاية الحفل تقدمت أمينة وهي تحمل هدية مغلفة بورق أزرق.
وقالت
افتحها يا بطل.
فتح سعود الهدية بحماس.
فوجد صندوقًا خشبيًا أنيقًا.
وعندما فتحه أكثر اتسعت عيناه.
كان بداخله حصان خشبي جديد.
يشبه حصانه القديم تمامًا.
لكن أقوى وأجمل.
وفي أسفله لوحة صغيرة بلون ذهبي.
قرأ سعود الكلمات المكتوبة عليها بصوت مرتجف
إلى سعود... الطفل الذي لم يكن مكسورًا يومًا.
امتلأت عيناه بالدموع.
وامتلأت عينا فهد أيضًا.
همس الطفل
شكرًا يا نانا.
ابتسمت أمينة وربتت على شعره.
وقالت
لا تشكرني يا حبيبي.
ثم نظرت إلى فهد.
وقالت
أنت من علمتنا أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى ساقين حتى يحمل عائلة كاملة.
وبعد سنوات طويلة...
لم يتذكر سعود ذلك اليوم على أنه اليوم الذي حاولت فيه امرأة قاسية أن تكسر روحه.
بل تذكره باعتباره اليوم الذي عاد فيه والده من الظل.
واليوم الذي أصبحت فيه أمينة أمًا له أمام الجميع.
واليوم الذي لم يعد فيه المنزل ملكًا للمال...
بل أصبح ملكًا للمحبة.
اختفت ريم من حياتهم كما تختفي الظلال عندما يسطع النور.
أما فهد...
فلم يعد يختبئ أبدًا ليرى كيف يُعامل ابنه.
لأنه منذ ذلك اليوم أصبح حاضرًا.
دائمًا.
وأبدًا.