عاد قبل موعده بيومين ليطلب الزواج منها... فسمعها تُحطم قلب ابنه خلف الباب!

لمحة نيوز

كانت علبة المخمل السوداء تحترق في جيب فهد السبيعي وكأنها جمرة مشتعلة.
لقد اشترى ذلك الخاتم لامرأة كانت تخطط لإبعاد ابنه عن حياته.
وقفت أمينة ببطء.
وقالت
يمكنكِ طردي يا أستاذة. يمكنكِ أن تحرميني من عملي ومن أي توصية ومن أي مصدر رزق. لكن ما دمت أتنفس، فلن أسمح لكِ بتحطيم قلب هذا الطفل.
نظرت إليها ريم من أعلى إلى أسفل.
ثم قالت ببرود
نظفي حذائي.
رمشت أمينة باستغراب.
ماذا قلتِ؟
رفعت ريم قدمها اليمنى.
كانت هناك نقطة صغيرة بالكاد تُرى من عصير البرتقال على مقدمة حذائها.
وقالت
ابنكِ المفضل هو من وسخه. نظفيه. وعلى ركبتيك.
انفجر سعود بالبكاء.
وقال متوسلًا
لا يا نانا، لا تفعلي ذلك. أنا أنظفه. هذا خطئي أنا.
قالت ريم وهي تبتعد عنه وكأنه يحمل مرضًا معديًا
إياك أن تلمسني. أريدها أن تعرف مكانتها.
أغمضت أمينة عينيها.
ورأى فهد كيف ابتلعت كرامتها.
ورأى كيف أن امرأة خدمت هذه العائلة سنوات طويلة انحنت على ركبتيها، ليس خضوعًا، بل حتى لا يتعرض سعود لمزيد من الأذى.
أخرجت منديلًا نظيفًا من جيب مريلتها.
ومسحت نقطة العصير عن الحذاء.
ابتسمت ريم.
وقالت
هكذا أفضل. هذا هو مكانك الحقيقي.
رفعت أمينة رأسها.
وقالت بهدوء
أصبح الحذاء نظيفًا يا أستاذة. ليت هناك منديلًا يستطيع تنظيف الضمير أيضًا.
اختفت الابتسامة من وجه ريم.
ثم دفعتها بقدمها عند كتفها دفعة جعلتها تفقد توازنها.


في تلك اللحظة شعر فهد أن شيئًا انكسر داخله.
لم تكن ريم قد فقدت أعصابها.
بل كانت هذه حقيقتها.
هذا هو وجهها الحقيقي الذي لم يره من قبل.
ثم لاحظ شيئًا آخر.
كان سعود يحتضن إلى صدره حصانًا خشبيًا قديمًا باهت الألوان، إحدى قوائمه مرممة بعناية.
كان آخر هدية تلقاها من والدته قبل الحادث الذي أودى بحياتها وتركه على الكرسي المتحرك.
انتبهت ريم إلى اللعبة.
وقالت
ماذا تحمل هناك؟
انكمش سعود أكثر.
هذه لي. كانت لأمي.
تصلبت ملامح ريم.
وقالت
أمك توفيت يا سعود. وهذه اللعبة القديمة مليئة بالجراثيم. أعطني إياها.
لا... أرجوك.
مدت يدها فجأة.
وأمسكت بذراع الطفل.
فصرخ سعود من الألم.
تحركت أمينة كالصاعقة.
وأمسكت بمعصم ريم بقوة لم يكن أحد يتوقعها من تلك المرأة الصغيرة.
وقالت
قلت لكِ لا تلمسيه.
ساد الصمت في المطبخ.
ونظرت ريم إلى يد أمينة على معصمها وكأنها تعرضت لهجوم.
وقالت بغضب
اتركي يدي يا وقحة. أنتِ مطرودة.
قالت أمينة
اطرديني. بل أرسِليني إلى السجن إن أردتِ. لكنك لن تضعي يدك على الطفل.
انتزعت ريم يدها بعنف.
وقالت
من تظنين نفسك؟ أمه؟
أخذت أمينة نفسًا عميقًا.
وامتلأت عيناها بالدموع.
لكن صوتها خرج ثابتًا.
وقالت
نعم... هذا ما أكونه.
توقف سعود عن البكاء.
أما فهد فشعر وكأنه توقف عن التنفس.
وضعت أمينة يدها على صدرها.
وقالت
أنا من بقيت بجانبه عندما ارتفعت حرارته وكان
الأستاذ فهد في سفر. وأنا من نامت على كرسي المستشفى أثناء عملياته. وأنا من تعرف أنه يخاف من الظلام. وأنا من علمته القراءة عندما كان الأطفال يسخرون منه. وأنا من تمسح دموعه دون أن تطلب منه شيئًا بالمقابل.
فتحت ريم فمها لترد.
لكن أمينة لم تمنحها الفرصة.
وقالت
لم ألده. ولا يجمعنا دم. ولا أملك الملايين. لكن الأم ليست من تتزوج الأب. الأم هي من ترعى وتحمي. الأم هي من تقف أمام الوحش حتى لا يصل إلى طفلها. أما أنتِ يا أستاذة ريم فمجرد ضيفة باهظة الثمن طالت إقامتها أكثر من اللازم.
استند فهد إلى الجدار.
وكانت ساقاه ترتجفان.
طوال سنوات كان يبحث عن أم لسعود في المناسبات الراقية والحفلات الخيرية والمجالس الفاخرة.
بينما كانت الأم الحقيقية لابنه موجودة طوال الوقت داخل منزله.
ترتدي زي العمل الأزرق.
تفوح منها رائحة الصابون.
وتعد له البطاطس المهروسة لأنه يحبها.
شعر بالخجل.
خجل عميق ومؤلم.
كم مرة عاد متأخرًا؟
كم مرة صدق ريم عندما كانت تقول له
سعود نام.
كم ليلة بكى فيها ابنه وحيدًا بينما كان هو يحاول بناء حياة جديدة مع المرأة الخطأ؟
أخرجت ريم هاتفها.
وقالت
سأتصل بفهد. سأخبره أنك اعتديتِ عليّ. وسيصدقني أنا.
اهتز هاتف فهد داخل جيبه.
نظر إلى الشاشة.
كان الاسم الظاهر
حبيبتي ريم
لم يجب.
أعاد الهاتف إلى جيبه.
ومسح دموعه.
ثم خطا خطوة نحو المطبخ.
كانت ريم تحاول الاتصال
مجددًا عندما سمعت صوت الأرضية تحت قدميه.
التفتت بسرعة.
وقالت
فهد!
وفي لحظة واحدة تبدلت ملامحها.
بعثرت شعرها بيديها.
ورسمت على وجهها ملامح الضحية.
ثم ركضت نحوه.
وقالت
حبيبي! الحمد لله أنك وصلت. لقد كان يومًا مرعبًا. أمينة فقدت عقلها. اعتدت عليّ. وسعود كان سيئ التصرف جدًا. وأنا فقط كنت أحاول تربيته.
لكن فهد لم يعانقها.
فبقيت واقفة أمامه كمن يعانق تمثالًا من الحجر.
رفع عينيه فوق كتفها.
ورأى بقعة العصير.
ورأى الأوراق النقدية التي ألقتها أمينة على الأرض من أجل كرامتها.
ورأى القفازات الصفراء.
ورأى وجه ابنه المنتفخ من البكاء.
ورأى يد أمينة فوق كتف سعود.
قالت ريم برجاء
فهد، قل شيئًا. انظر إلى معصمي. لقد آذتني.
أنزل نظره إليها.
وقال بهدوء
آذتك؟
نعم. اعتدت عليّ.
ابتعد عنها ببطء.
وكأنها شيء عالق بثيابه يريد التخلص منه.
ثم سار نحو ابنه.
خفضت أمينة رأسها.
وقالت
أستاذ فهد... أستطيع أن أشرح...
رفع يده.
لكن ليس ليقاطعها.
بل بإشارة هادئة مطمئنة.
ثم جثا أمام سعود.
تراجع الطفل قليلًا على كرسيه.
وكان ذلك كافيًا ليمزق قلب فهد.
ابنه كان ينتظر العقاب.
لا المواساة.
العقاب.
قال سعود وهو يبكي
آسف يا بابا... آسف بسبب العصير. لا تطرد نانا. ولا ترسلني إلى مركز الرعاية. أنا المخطئ.
أمسك فهد بيدي ابنه.
وقال
انظر إلي يا بطل.
رفع سعود عينيه بخوف.
فقال
أنت لست مخطئًا.
ولست سيئًا. ولست عبئًا على أحد. ولن يرسلك أحد إلى أي مكان. ما دمت حيًا فهذه بيتك.
لكن ريم قالت...
كلام ريم لا قيمة له.
جاء صوت ريم مرتجفًا
تم نسخ الرابط