قصة حقيقية حدثت في الجزائر
يومية لم تكن معتادة عليها كانت تطبخ تنظف وترتب أغراضه بدقة
وفي كل مرة تنظر إليه كانت تتساءل
"هل هذا هو الأمان الذي بحثت عنه طيلة عمري"
مرت الشهور وبدأت تعتاد الحياة الجديدة لم تكن مثالية لكنها على الأقل لم تكن مخيفة وكان في داخله تقدير لزوجته الجديدة حتى وإن لم يظهره بالكلمات أما هي فكانت تحاول أن تمنحه ما تستطيع من اهتمام ورعاية ربما لأنه الوحيد الذي لم يدر ظهره لها بعد أن عرف كل شيء
لكن في إحدى الأيام بدأت تتغير الأشياء
كانت تنظف إحدى الغرف الصغيرة في المنزل غرفة نادرا ما دخلتها أرادت تغيير أماكن الأثاث لتجعلها أكثر اتساعا وبينما كانت تفرز بعض الصناديق القديمة وجدت شيئا جعل الد م يتجمد في عروقها
مشط صغير قديم الطراز بنفس اللون والشكل الذي كانت تستخدمه في القبو قبل سنوات طويلة نفس ذاك المشط الذي كانت تسرح به شعرها حين يتركه لها ذلك الشخص الغامض
تجمدت يدها
نظرت إلى المشط ثم أغمضت عينيها
"لا هذا لا يمكن هل أتخيل"
لكن قلبها لم يخدعها
الذاكرة عادت ملامح الأصوات التفاصيل حتى أسلوب الحديث شيء ما كان مألوفا منذ البداية لكنها لم تنتبه
صوت زوجها كان يشبه صوت من احتجزها طريقته في المشي بنيته الجسدية وحتى نبرة التهديد التي كان يخفيها خلف الوقار
بدأت ترتجف لا من البرد بل من الذعر الحقيقي
رفعت رأسها في لحظة إدراك وعيناها اتسعتا
"هل يعقل هل الرجل الذي أنقذني هو نفسه من اخذني"
جلست في مكانها لا تعرف ماذا تفعل عقلها يشلها قلبها يتدفق من شدة الصاعقة
كل شيء حولها تحول إلى ضباب
صوت داخلي يقول
"اركضي!"
وآخر يهمس
"لا تتسرعي ربما تشابه فقط "
لكنها لم تكن قادرة على تجاهل ما رأت
بدأت تربط الأمور
المشط نبرة الصوت التصرفات الغامضة الغرفة المغلقة دائما كل شيء بدأ يشير إلى احتمال مرعب
وفي تلك اللحظة أدركت الحقيقة
لكنها لم تظهر له شيئا
ابتسمت رتبت كل شيء وكأن شيئا لم يكن
في تلك الليلة لم تنم
كانت تنظر إلى السقف وعقلها يدور بلا
"هو نفسه "
لم يكن لديها شك لا بنسبة 90 ولا حتى 99 بل اليقين كان كاملا موجعا جارحا
وفي داخلها شيء ما انكسر للأبد
أعادت كل المشاهد القديمة منذ لحظة الاختطاف نظرات عينيه من خلف القناع نبرة صوته حين يهددها صمته وهو يراقبها وتذكرت أيضا كيف تزوجها كيف اقترب منها في لحظة ضعف وادعى أنه ملاذ بينما كان هو من أغرقها في الجحيم
لكنها قررت ألا تظهر شيئا
في الصباح جهزت له طعام الإفطار كعادتها وضعت المائدة بهدوء رتبت التفاصيل بعناية وعندما دخل المطبخ استقبلته بابتسامة هادئة كأن شيئا لم يحدث
كان يبدو مرتاحا مرتديا ملابسه الرسمية وسألها بصوته المعتاد
"كيف كان يومك أمس"
أجابته بهدوء
"قضيت الوقت في ترتيب الأغراض وجدت بعض الأشياء القديمة في الغرفة الخلفية "
توقف عن الأكل للحظة نظراته ثبتت عليها ثم عاد لمضغ لقمة ببطء
في تلك اللحظة سقط الستار
هي لم تكن تتخيل وهو أدرك أنها تعرف
الهواء بينهما صار ثقيلا الصمت خنق المطبخ وكل منهما ينتظر من سيبدأ الحركة الأولى
هي لم تنتظر
كانت تقف خلفه تحمل في يدها شيئا خبأته منذ الصباح اداة من المطبخ
اقتربت بخطوات محسوبة وقلبها يردد
"منكسر لا يعني ضعيف خائف لا يعني عاجز "
وعندما التفت لينظر إليها باغتته
قطراته ملأت الأرض واختلطت بأنفاسها اللاهثة
لم تكن تبكي لم تستنجد لم تتردد
كانت هادئة بشكل مريب
سقط جسده على الأرض هامدا بقيت واقفة تنظر إليه بعينين جامدتين لا انتصار لا ندم
مرت دقائق كأنها ساعات قبل أن تسمع الطرق على الباب
من لا أحد يعرف مكانها زوجها لم يكن يستقبل ضيوفا
اقتربت من الباب ببطء فتحته
وهنا حدث ما لم تتوقعه أبدا
كان الباب أمامها لا تزال تحمل الاداة بيد مرتجفة وجسد زوجها مسجى على الأرض بلا حراك
طرقات الباب تكررت أكثر إلحاحا
فتحت
وبكل بساطة كان هو
ذلك الوجه الذي لم تره من
نظرت إليه عيناها اتسعتا وابتسم هو
ابتسامة خبيثة هادئة واثقة كأن كل شيء يسير كما خطط له
قال بهدوء
"انتظرتك طويلا هل اشتقت إلي"
انهارت على الأرض ارتجفت شفتاها ولم تستطع النطق
"كيف كيف من إذن الرجل الذي في الداخل!"
قال ببرود
"زوجك آه لقد أصبح مزعجا مؤخرا كان يحاول تعقبي جمع أشياء تركتها خلفي أراد أن يعرف الحقيقة لكنه اقترب أكثر مما يجب "
تراجعت للخلف جسدها لم يعد يحتمل ارتطمت بالحائط والاداة سقطت من يدها
"لقد لقد انهى حياته " قالتها بصوت بالكاد خرج من حنجرتها
ضحك بصوت خافت
"كنت فقط أسرع مني بخطوة "
أمسكها من معصمها بقوة وجرها إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفه كأن شيئا لم يحدث
عادت إلى القبو
ذلك المكان الذي حفظ كل تفاصيله بل أعاد ترتيبه كما كان السرير الرث الباب الحديدي الرائحة نفسها لم يكن قبوا جديدا بل هو نفسه نفس الزنزانة التي دفنت فيها طفولتها عشر سنوات
قال لها وهو يغلق الباب خلفه
"ظننتك نسيتني لكن لا بأس لدينا وقت طويل للحكايات "
ألقت بنفسها أرضا صارت تبكي بلا صوت
"ما الذنب الذي اقترفته"
همس في أذنها
"لا ذنب فقط كنت الأضعف "
خرج وأغلق الباب مجددا
وساد الصمت
لكن هذه المرة لم تكن تلك الطفلة
في ظلمة القبو حيث تكتم الأصوات وتدفن الدموع كانت تجلس على الأرض نفس الأرض التي شهدت انكسارها قبل سنوات لكن هذه المرة لم تكن هي نفسها
جسدها ربما لم يقو بعد لكنه ليس هشا كما كان قلبها وإن أنهكته الفاجعات إلا أنه تعلم أن لا يسقط مرتين بنفس الطريقة
في الداخل اختلط كل شيء دموع ندم غضب وشعور عميق بالخيانة كيف عادت إلى البداية كيف خانها حدسها كيف خدعت مرتين مرة بالخوف وأخرى بالطمأنينة الكاذبة
لكن ما لم يعرفه ذلك الرجل هو أن هذه المرة هي من ستحكي النهاية
مرت ساعات طويلة وهي تفتش في المكان بعينيها ورغم بساطة الغرفة
تقدمت نحوه سحبته بيديها كان صلبا كفاية
أخفته تحت ملابسها وجلست تنتظر
الخطوات على الدرج عادت من جديد الباب الحديدي انفتح ووقف في الإطار بابتسامته المعتادة ظن أن لا شيء تغير بل ربما تخيل أنها ستعود كما كانت
اقترب منها ببطء كأنه يعيد ذات المشهد منذ سنوات وربما أراد ذلك حقا ولكن ما لم يتوقعه أن تكون عيناها ثابتتين ويدانها أكثر ثباتا
وفي لحظة خاطفة استلت ما خبأته
لم ترتبك بل وجهت لكمة واحدة فقط لكل سنوات القهر والظلم والخرس
سقط على الأرض يلهث مدهوشا لا يصدق أن الضحية التي ظل يراها ضعيفة قد أنهت فصوله
جلست بجانبه تنظر إليه دون تعاطف همست
"أنت انتهيت لكني لن أكون مثلك "
اتجهت نحو الباب هذه المرة لم يكن مغلقا
صعدت السلالم خرجت من المنزل ركضت ليست ركضة هروب بل عودة
طريقها لم يكن نحو الظلام بل نحو الضوء
بعد ساعات كانت في مركز الشرطة
رأسها مرفوع لم تبك لم تخف فقط قالت
"اسمي (ذكرت اسمها الكامل)
المجني في الغابة انتهى
لكني أحتاج أن أحيا لا فقط أن أعيش "
انهار الضباط كانوا يعرفون قصتها يعرفونها منذ الصغر ولكنهم لم يتوقعوا أن يروا عودتها بهذا الشكل
أعيد التحقيق في القضية من جديد وعثر على بقايا الأدلة التي جمعها زوجها قبل وفاته وثبتت القصة كاملة
وأغلقت القضية لكن هذه المرة ليس بصمت
بل ببطلة
بطلة من نوع مختلف لم تمتلك القوة الجسدية لكنها امتلكت ما هو أعمق قوة البقاء والانتصار والنجاة
عشر سنوات من الظلمة وسنوات أخرى من التيه وعلاقة انتهت قبل أن تولد وشعور دائم بالذنب ومع ذلك لم تستسلم
هي لم تكن فقط ضحية كانت ناجية
قامت من الرماد وواجهت شبحها الأكبر وهزمت الصمت
اليوم تعيش في بيت بسيط تعمل مع أطفال فقدوا أهلهم تحكي لهم القصص وتزرع فيهم شيئا من القوة التي لم تجدها حين كانت في
وربما ذات يوم حين يسألها أحدهم
"كيف نجوت"
ستبتسم وتقول
"لأني لم أسمح للظلمة أن تسكن قلبي فقط وضعت فيها شمعة ومشيت "