قصة حقيقية حدثت في الجزائر

لمحة نيوز

كان مغلقا لكنها جربت المقبض فتح بسهولة
فجأة وجدت نفسها في منزل أثاث قديم نوافذ مغلقة وستائر ثقيلة تحجب الضوء لا صوت في المكان سوى نبضها الذي يصم الأذنين
في لحظة نادرة من الحظ لم يكن موجودا
ركضت إلى الباب الرئيسي فتحته بسرعة وكان الهواء أول شيء شعرت به
نور الشمس ضرب عينيها كصفعة أوجعها لكنه حررها ركضت بلا توقف لم تعرف إلى أين كل ما تعرفه أنها لا تريد أن تعود
الطريق كان ترابيا يحيط به أشجار كثيفة كأنها في غابة أو منطقة نائية قطعت مسافة طويلة إلى أن ظهرت أمامها أول سيارة تمر
نادت
"ساعدوني! أرجوكم!"
توقفت السيارة فتح السائق الباب وهاله منظرها شعرها مبعثر وجهها شاحب لكنها كانت حية
نقلت على الفور إلى مركز الشرطة ومن هناك إلى المستشفى وهناك للمرة الأولى منذ سنوات نظفت جروحها وأعطيت وجبة طعام حقيقية
حين بدأت تتحدث عرف الضباط من هي الفتاة المفقودة منذ عشر سنوات كانوا قد ظنوا أنها اختفت إلى الأبد عائلتها بحثت عنها سنوات ولم تفقد الأمل يوما
وصلت والدتها شاحبة الوجه منهارة واحتضنتها بدموع لم تتوقف أخواتها كبرن ووالدها والدها لم يكن هناك
سألت عن والدها فكان الرد غير متوقع
"توفي منذ خمس سنوات وهو يبحث عنك "
أحست في تلك اللحظة أن قلبها كسر للمرة الثانية لم تكن قد عادت فقط من رحلة سيئة بل كانت قد فقدت سندها الأول حاميها من كان سيحملها على كتفيه ويقول لها "كل شيء سيكون بخير"
لكنها تماسكت لأنها الآن نجت
أن تعود إلى الحياة بعد سنوات طويلة من الغياب لا يعني بالضرورة أنك عدت حقا هي لم تعد كما كانت ولا العالم بقي كما عرفته كل شيء بدا لها غريبا من وجوه أخواتها
التي تغيرت ملامحها إلى غرفتها التي بدت أصغر مما تتذكر حتى صوت والدتها الذي كان يبعث في قلبها الأمان صار الآن غريبا خافتا عاجزا عن احتواء الشروخ
عادت إلى منزلها لكن البيت لم يعد بيتها لم تعد تلك الطفلة التي تلهو في فناء المدرسة وتتشاجر مع أختها على المعطف عادت شابة في الثانية والعشرين من عمرها لكنها تحمل بداخلها عمرا أثقل من ذلك بكثير
في الليلة الأولى بعد عودتها نامت في سريرها القديم محاولة استعادة إحساس الطفولة لكنها استيقظت فزعة كأن الكابوس لم ينته لم يكن نوما بل إعادة بث لماض لم تفلت منه
كانت تصيح
"لا أرجوك لا تقترب!"
أسرعت أمها واحتضنتها وأخواتها التففن حولها في محاولة يائسة لبعث الطمأنينة في قلبها لكن الرعب الذي عاشته لم يكن عاديا كان متجذرا يغزو أحلامها ويهاجمها مع كل نسمة هواء باردة أو صوت خطوات على السلم أو لمحة ظل على الجدار
صارت تخشى الخروج من المنزل رهاب الشارع رهاب الأصوات رهاب الوجوه الجديدة كلها اجتمعت عليها شهور طويلة لم تطأ قدمها عتبة الباب
حتى شكلها في المرآة بدا لها غريبا حدقت في نفسها طويلا
"من هذه من هذه التي نظرت إلي بعيون حزينة لا تشبه عيني"
كانت قد فقدت الكثير من الوزن جسدها هش ملامحها باهتة وعيناها تلمعان بخليط من الغضب والانكسار هي لم تعد تعرف نفسها فكيف ستقنع العالم بأن يراها
وبضغط من والدتها بدأت جلسات علاج نفسي مع طبيبة مختصة كانت أول من قالت لها بصوت واضح
"أنت لست مذنبة ما حدث لك ليس خطأك "
تلك العبارة رغم بساطتها كانت أول جدار يتشقق في قلعتها المغلقة
بدأت تبوح بما شعرت لا بكل شيء لكنها استرجعت تدريجيا أجزاء
من القصة التي دفنتها في صدرها سنوات أحيانا بالكلام وأحيانا بالصمت وكان الصمت أبلغ
كلما عادت من جلسة كانت تشعر أنها اقتربت خطوة صغيرة نحو الضوء نحو تلك النسخة منها التي اختطفت قبل عشر سنوات لكن الجرح عميق والندوب أعمق
في هذه الفترة كانت تتابع زواج أخواتها واحدة تلو الأخرى كانت تبتسم لهن تشاركهن فرحتهن لكنها في داخلها كانت تقول
"من سيقبل بفتاة كسر عمرها من سيرى في امرأة يمكن أن تحب"
رغم دعم أمها وتشجيع الطبيبة كان بداخلها يقين أنها لن تتزوج لن تجد من يتقبل ماضيها ولن تشفى بما يكفي لتبني مستقبلا
لكن القدر كان يعد لها مفاجأة لم تكن تتوقعها
وسط انكسارها وصمتها الطويل وبينما كانت تظن أن لا شيء جديد سيطرق بابها جاءت المفاجأة التي حيرت قلبها وعقلها معا
كانت تجلس في إحدى جلسات العلاج النفسي حين أخبرتها والدتها مساء ذلك اليوم بأن شخصا تقدم رسميا لخطبتها
رفعت رأسها بدهشة وكأن الكلمة لا تخصها
قالت أمها بابتسامة فيها رجاء أكثر من فرح
"رجل محترم طبيب يكبرك بعشرين عاما لا يملك أهلا يعيش وحيدا ويعرف قصتك كلها ومع ذلك يريد الزواج بك "
خيم الصمت
لم تستوعب لم تصدق أو ربما لم ترد أن تصدق
من يقبل بالزواج من فتاة مثلها فتاة كانت حديث الصحافة والشارع فتاة نجت من سنوات اختفاء وخرجت بجسد وروح ما زالا في طور الترميم
أمها تابعت كلامها
"هو صديق قديم لوالدك كان يعمل طبيبا شرعيا في نفس مركز الشرطة وهو من عرفك فورا عندما عثر عليك كان يعرف والدك جيدا ويقول إن والدك كان كثير الحديث عنك "
كلماتها أصابت نقطة ضعيفة في قلبها والدها ذكراه صوته حنانه الذي لم تعد تملكه أن يتقدم
رجل كان يعرف والدها كأنها صلة حنين تربط بين الماضي والمستقبل
لم ترد لم تعلق لم تعترض ولم توافق
الوسيط كان إمام المسجد القريب من بيتهم رجل وقور يشهد له بالخلق مما أعطى للأمر مصداقية وأمانا نسبيا
خاضت أياما طويلة في التفكير جلسات بلا نوم حيرة خوف محاولة تخيل شكل الحياة معه هل سيكون رحيما هل سيتحملها هل سيتحول زواجها إلى قيد جديد هل الماضي سيتسلل خلسة إلى حياتها الزوجية
كل هذه الأسئلة كانت تنهشها دون أن تجد لها إجابة
لكن في المقابل كان في داخله شيء آخر يهمس
"ربما تستحقين أن تبدأي من جديد حتى لو كان الخوف لا يزال في قلبك "
وفي لحظة غير متوقعة قالت لأمها
"أنا موافقة "
كانت إجابة ناعمة مترددة لكنها كافية لتبدأ التحضيرات لم يكن هناك احتفال ولا فستان أبيض ولا دعوات فقط عقد قران بسيط وانتقال هادئ إلى بيت جديد
بيت زوجها
بيت حياتها الجديدة
لم تكن تحلم بزفاف ولا بفستان أبيض ولا حتى بليلة عمر كل ما أرادته هو بداية تشبه الخلاص بداية تحمل في طياتها طمأنينة لا تعرف كيف تصفها لكنها كانت تتوق إليها
منذ لحظة دخولها إلى بيت زوجها الجديد شعرت بشيء من الهدوء البيت بسيط صغير بعيد عن الضجيج لكنه كان دافئا بنظافته وترتيبه ربما كان ينقصه الألوان لكنه لا يخلو من لمسة رجل يعيش بمفرده منذ سنوات
زوجها الطبيب الهادئ كان صارما قليل الكلام لكن تعامله معها كان محترما لم يكن حنونا لكنه لم يكن قاسيا رجل ناضج ذو حضور وصاحب شخصية تبدو مسؤولة كانت تنظر إليه أحيانا فتشعر بشيء من الراحة وأحيانا بشيء من الحذر ربما لأنه لم يكن يظهر مشاعره بوضوح
مرت الأيام الأولى بهدوء وكانت هي
تحاول أن تتأقلم مع المكان مع وجود رجل في حياتها مع تفاصيل
تم نسخ الرابط