قصة حقيقية حدثت في الجزائر
لم تكن تعلم أن ذلك الصباح العادي سيقلب حياتها رأسا على عقب كانت فتاة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها مفعمة بالحيوية والنشاط تدرس في المرحلة المتوسطة وتعيش مع والديها وأخواتها الأربع في بيت بسيط يسكنه الهدوء والدها كان يعمل في جهاز الأمن رجل صارم لكنه حنون وأمها امرأة قوية تسهر على تربية بناتها بكل حب
كان صباح الأربعاء في أحد أيام الشتاء والسماء تمطر بهدوء خرجت من المنزل بعد مشادة عابرة مع شقيقتها الصغرى بسبب معطف شتوي ومازالت كلمات أمها القاسية في أذنيها توعدها بالتأنيب فور عودتها
لفحتها نسمات البرد وهي ترتدي حذاءها وتغادر تحمل حقيبتها على ظهرها وتتلفت بين الحارات تبحث عن إحدى صديقاتها لترافقها إلى المدرسة لم تجد أحدا فالشارع كان شبه خال والمطر قد أجبر الكثيرين على التوجه مبكرا
اجتازت الحي الأول ثم وصلت إلى منطقة العمارات العالية وهناك حدث ما لم يكن في الحسبان
مرت شاحنة كبيرة بجانبها ثم توقفت فجأة على بعد خطوات قليلة منها انتقلت إلى الجهة المقابلة من الطريق وقد داهمها القلق لم تكد تلتقط أنفاسها حتى فتح باب الشاحنة ونزل رجل مجهول الملامح وجهه مغطى بوشاح ويتحرك بسرعة نحوها
تجمدت قدماها من الخوف سقطت حقيبتها وهرعت تركض بكل ما أوتيت من قوة لكن خطواتها الصغيرة لم تكن كافية للهروب من ذلك المصير
شعرت بيد تمسك بها بقوة وقطعة قماش توضع على وجهها كان آخر شيء رأته هو انعكاس الضوء على الزجاج الأمامي للشاحنة قبل أن يغيب كل شيء
استفاقت على برد قارس يلسع وجهها ورائحة رطوبة تخنق أنفاسها يداها كانتا مقيدتين وقطعة قماش تعصب عينيها وصوت أنينها
نادت ولكن لا مجيب ارتجفت من البرد والخوف وصارت دموعها تختلط بالتراب الذي التصق بخديها
كانت تظن في البداية أن الأمر مجرد مزحة ثقيلة أو ربما كابوس مزعج ستفيق منه قريبا لكن الساعات مرت ببطء ولم يتغير شيء
ألم في الحلق من شدة النداء وجوع ينهش أحشاءها وخوف يتسلل إلى أعماقها مع كل دقيقة تمر بدا لها الزمن متوقفا كل ما تريده هو أن تستيقظ وتجد نفسها في سريرها بجانب أختها بينما تسمع صوت والدتها في المطبخ
لكن بدلا من ذلك سمع صوت خطوات تقترب يرافقها صرير باب حديدي يفتح ببطء كأنها لحظة من فيلم غامض ارتجفت أكثر وهي تسمع صوتا خشنا يقول بصوت منخفض
"اصمتي ولا تحاولي النداء بصوت عالي مجددا "
كان صوته مرعبا خاليا من أي تعاطف كأنه مأخوذ من كائن لا يعرف الرحمة جمدت في مكانها من الرعب ولم تستطع الرد
تقدم منها فك رباط يديها ثم نزع العصابة عن عينيها للحظة لم تستطع الرؤية وعندما بدأت تبصر رأت رجلا طويل القامة مغطى الوجه لا يظهر من ملامحه شيء سوى نظارة داكنة
قال بصوت قاطع
"من هذه اللحظة هذا مكانك ولن تري أسرتك مجددا أي محاولة للهرب لن تمر بسلام "
ثم وضع أمامها طبقا فيه القليل من الطعام وأغلق الباب من جديد
نظرت حولها المكان كان بالفعل قبوا قديما جدرانه موحلة الرطوبة تتساقط منها والإضاءة شبه معدومة لا يوجد أثاث سوى فراش رث في الزاوية وباب حديدي سميك يقفل من الخارج شعرت كأنها في سرداب منسي
قضت ليلتها الأولى في حالة من الذهول تارة تنتحب وتارة تتوسل
لكن الصباح جاء لا بأشعة شمس دافئة بل بنور باهت يتسلل من فتحة صغيرة في أعلى الجدار
ومع كل دقيقة تمر كانت تصدق أكثر أنها فعلا اختطفت
مرت الأيام الأولى عليها كأنها دهور لا صوت في القبو إلا همسات أنفاسها المتقطعة ووقع خطوات الرجل الغريب الذي صار يفتح الباب في أوقات غير منتظمة ليضع بعض الطعام أو يصدر تعليمات مقتضبة لا تخلو من التهديد
بدأت تدرك أنها أصبحت أسيرة واقع مرير لا يشبه شيئا من الطفولة التي كانت تحلم بها لم تعد تتساءل "هل سيأتون لإنقاذي" بل صارت تسأل نفسها "كم من الوقت سأتحمل قبل أن أفقد عقلي"
لم تكن تستطيع رؤية الشمس ولا معرفة الوقت فالأيام تكررت بشكل عبثي لا يحمل لها أي معنى الطعام نفسه الجدران نفسها الخوف نفسه صوت الباب الحديدي أصبح أكثر رعبا من أي شيء سمعته من قبل
كانت تتحدث مع نفسها لتبقى يقظة تغني أحيانا بصوت خافت وتبكي كثيرا وتكتب بأصبعها على الأرض كلمات لا تقرأ فقط كي تشعر أن روحها لم تمت بعد
وفي إحدى الليالي دخل الرجل مجددا هذه المرة ليس فقط ليضع الطعام بل ليطلب منها الجلوس كان صوته هادئا لكن يحمل نبرة قاسية مألوفة
قال لها
"عليك أن تنسي كل شيء عائلتك اسمك مدرستك هذا هو عالمك الجديد وتذكري كل من حاول الهرب مني لم يعد موجودا "
ارتجفت من كلماته وعرفت أنها لن تسمع اسمها مرة أخرى إلا من داخلها سرقت منها هويتها وطفولتها ومستقبلها في لحظة واحدة
بدأت تفقد الإحساس بالزمن فصارت تعتبر كل يوم هو نفسه نامت كثيرا دون أن تحلم كأن عقلها لم يعد يريد
كل شيء فيها تغير ملامح وجهها طريقة كلامها وحتى نظرات عينيها كانت في الثانية عشرة لكن العالم الذي دخلته أكبر من عمرها بألف عام غرست فيها قسوة الأيام وأصبحت الحياة بلا لون بلا صوت بلا دفء
لكن في لحظة ما بدأت بداخلها نار خفية تشتعل لم تكن نار الخوف هذه المرة بل شيء جديد مختلف شعور يشبه الغضب لكنه أنقى شعور بالرغبة في المقاومة
ربما لم تكن تعرف كيف لكنها بدأت تفكر
"ماذا لو حاولت الهرب ولو مرة واحدة"
مرت شهور منذ اللحظة التي دخلت فيها ذلك القبو أو كما كانت تسميه في داخلها "الصندوق الأسود" لم تكن تعلم كم مر من الوقت تحديدا لكن شيئا ما في أعماقها بدأ يتغير لم تعد الطفلة نفسها التي خافت من صوت الباب أول مرة ولا تلك التي صدقت أن هذا الكابوس سينتهي من تلقاء نفسه
رغم الوجع ومع كل يوم يمر كان يتكون بداخلها شيء أشبه ب"بوصلة النجاة" كانت ترصد تحركات الرجل توقيت نزوله ساعاته المفضلة لوضع الطعام حتى عدد خطواته على السلالم
وذات صباح وبعد مغادرته كعادته لاحظت شيئا غير معتاد الباب الحديدي لم يغلق بإحكام كان مواربا لم تصدق عينيها أول الأمر حسبت أنه فخ أو ربما تتخيل
اقتربت بحذر يدها ترتجف قلبها يدق كطبل في صدرها وضعت يدها على الباب ودفعت
فتح الباب
تجمدت في مكانها وكأن الزمن توقف هل هذه لحظة الخلاص هل الطريق للخروج بدأ من هنا
تسللت من الباب إلى الدرج المؤدي إلى الأعلى سلالم إسمنتية باردة معتمة تصعد بها كأنها تسير