المدينة التي لا يجوع فيها إنسان
للتكية من أنبل ما ينفق فيه المال فهي تسد حاجة ملحة وتغذي بطونا جائعة وتبث الطمأنينة في النفوس يقول أحد المتبرعين الدائمين "حين أرى قدور التكية تفور بالطعام الذي أسهمت فيه أشعر أن مالي حقق الغاية الأفضل فهذا المشروع بمثابة استثمار في الخير يعود ريعه بركة في الدنيا وثوابا في الآخرة" وبفضل هذا الحس الجمعي لا تمر مناسبة سعيدة في الخليل كنجاح أو زواج أو موسم حصاد إلا ويكون للتكية نصيب منها سواء بالتبرع بالأطعمة أو حتى بوليمة كاملة تهدى للفقراء تقربا لله وشكرا على النعم
وللمتطوعين حكاية مجد أخرى فهؤلاء الشباب والفتيات الذين يعملون ساعات طويلة في الطبخ والتنظيف والتوزيع دون أي مقابل هم العمود الفقري لهذا المشروع كثير منهم ينظر للأمر كتدريب روحي وعملي على حد سواء فهم يكتسبون مهارات الطهي الجماعي وإدارة الكميات الكبيرة ويتعلمون معاني الصبر والتواضع وخدمة المجتمع في مشهد التكية اليومي قد لا تميز المتطوع من العامل بأجر فالكل يعمل بإخلاص وبسمة تعلو محياهم وقد أصبح التطوع في التكية جزءا من ثقافة المدينة تتناقله الأجيال كإرث اجتماعي ثمين والأمر لا يقتصر على الشباب فقط بل هناك متطوعات كبيرات في السن يساهمن في تقشير الخضار أو خبز العجين ورجال متقاعدون ينقلون أكياس الطحين والحبوب إلى المخازن كل يقدم ما يستطيع في مشروع مستدام لإطعام الفقراء وإغلاق أبواب الجوع
مبادرات مشابهة في العالم الإسلامي
لم تكن فكرة التكايا وإطعام الفقراء حصرا على الخليل وحدها بل انتشرت تاريخيا في العديد من حواضر العالم الإسلامي اقتداء بهذا النموذج الرائد ويرجح بعض المؤرخين أن الخليل نفسها كانت صاحبة السبق في ابتكار هذه المنارات الخيرية التي اقتفت أثرها مدن أخرى فمثلا في القدس الشريف تأسست في العصر العثماني تكية خاصكي سلطان عام 1552م قرب المسجد الأقصى المبارك قامت السلطانة ركسيلانة (هرم سلطان) زوجة سليمان القانوني بإنشاء تلك التكية ووقف أوقاف هائلة لها شملت ريع أكثر من 90 قرية ومدينة لتأمين مواردها وإلى اليوم ما زالت تكية خاصكي سلطان في القدس تعمل وتقدم الطعام المجاني للفقراء ورواد الأقصى خاصة في شهر رمضان وهي بذلك ثاني أقدم تكية في فلسطين بعد تكية الخليل العثمانية تاريخا وتذكر المصادر أن تكية القدس هذه كانت تطعم في الماضي مئات الفقراء يوميا وحديثا خلال شهر رمضان يستفيد منها نحو 500 شخص يوميا في القدس
وفي مدن أخرى من العالم الإسلامي ازدهرت تقاليد مشابهة ففي مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدت عبر التاريخ ما يعرف ب"الرباط" أو "
أما في العصر الحديث فقد أحيت دول إسلامية عدة هذه الفكرة بمبادرات عصرية في الأردن تأسست عام 2003 "تكية أم علي" كمؤسسة غير حكومية مبنية على نموذج التكية التقليدي
أنشأتها الأميرة هيا بنت الحسين تخليدا لذكرى والدتها الملكة علياء وتعد أول مبادرة من نوعها لمكافحة الجوع في الأردن والعالم العربي تقدم "تكية أم علي" آلاف الطرود الغذائية شهريا للأسر المحتاجة بالإضافة إلى وجبات ساخنة دورية معتمدة على التبرعات ووقف الطعام تماما كنهج تكية الخليل وفي دول أخرى كباكستان وإندونيسيا وتركيا تنتشر مطابخ الفقراء التابعة لجمعيات خيرية أو مساجد كبرى تطعم مئات المحتاجين يوميا خاصة أثناء الكوارث والأزمات الاقتصادية هذه المبادرات وإن اختلفت مسمياتها يجمعها هدف واحد هو إحياء سنة التكافل وإطعام الجياع دون مقابل
لا شك أن تكية سيدنا إبراهيم في الخليل تبقى من ألمع النماذج تاريخا واستمرارا وهذا ما دفع الكثيرين لزيارتها والاطلاع على آليات عملها للاستفادة منها فمثلا زارها وفد من إحدى الجمعيات الخيرية في غزة مؤخرا لنقل تجربة "مطبخ التكافل" إلى القطاع المحاصر وبالفعل بدأت مطابخ خيرية هناك بتوزيع وجبات ساخنة للفقراء تحمل اسم "تكية" تيمنا بهذا النموذج كذلك في دول مثل السودان واليمن برزت مبادرات شبيهة خلال الفترات الصعبة لإغاثة الأسر المحتاجة يوميا هذه الأمثلة تؤكد أن فعل الخير معد وأن نموذجا ناجحا كتكية الخليل قادر على الانتشار إذا توفرت الإرادة وحسن التنظيم
إن تجربة تكية الخليل تعطينا دروسا مهمة في كيفية بناء مشاريع مستدامة لإطعام الفقراء يمكن تعميمها في مختلف المجتمعات أول هذه الدروس هو أهمية وجود تمويل ثابت يضمن ديمومة المشروع وقد رأينا كيف اعتمدت التكية منذ نشأتها على نظام الوقف حيث أوقف لها المحسنون عبر العصور أراض وممتلكات وصارت أرباحها تمول نفقات الطعام هذا النوع من وقف الطعام إن صح التعبير هو فكرة يمكن تطبيقها اليوم أيضا فبإمكان المجتمعات تأسيس صندوق
ثاني الدروس هو حسن الإدارة والتنظيم فتكية الخليل نجحت لأنها وضعت نظاما واضحا للتوزيع وعدالة الوصول هناك برنامج أسبوعي معروف يضمن تنويع الوجبات وإيصال اللحوم والبروتينات على فترات منتظمة للمحتاجين
كما أن التسجيل والإحصاء الدقيق للأسر المستفيدة ساعد على معرفة حجم الحاجة والتخطيط وفقها تعلمنا هذه التجربة أن مشروعات إطعام الفقراء لا بد أن تدار بعناية وشفافية وانضباط حتى تؤتي ثمارها المرجوة فمثلا يمكن لكل حي أو قرية إنشاء لجنة تكافل محلية تحصي الأسر الأشد احتياجا وتنظم حملات تبرع عينية (مواد غذائية) أو نقدية وتفتح مطبخا خيريا في مركز الحي يطبخ بانتظام وفق جدول تماما كما في نموذج التكية
ثالثا المشاركة المجتمعية هي قلب النجاح في الخليل يشعر كل فرد بأنه معني بالتكية الغني يمدها بالمال أو الطعام والفقير يمدها بالدعاء والكلمة الطيبة وربما يساهم في الخدمة إن استطاع والمتطوع يمنحها جهده ووقته والجميع يثنون عليها ويدعمونها لأنها أصبحت رمز مدينتهم وفخرها هذا الالتفاف المجتمعي حول التكية من مجرد مبنى أو جمعية خيرية إلى ثقافة مجتمعية راسخة وهنا يكمن سر قابلية تعميم النموذج فإذا استطعنا غرس قناعة لدى الناس بأن "مدينتناقرانا مسؤولة عن أن لا يجوع أحد بيننا" سنجد مبادرات التكية تتكرر أينما وجد المؤمنون بهذه الفكرة وقد رأينا بالفعل أمثلة لمدن تبنت شعارا شبيها في بعض المناطق الريفية بمصر مثلا أطلق الأهالي مبادرات "الثلاجة الخيرية" التي يضع فيها الناس طعاما فائضا ليأخذ منه المحتاج مجانا لضمان ألا يبيت أحد جائع مثل هذه الأفكار رغم بساطتها تنبع من نفس روحية التكية وتؤكد أن الخير يمكن تنظيمه لسد الثغرات الاجتماعية
أخيرا لا بد من الدعم الرسمي والتسهيلات الحكومية دون بيروقراطية معيقة فدور الوزارات والمؤسسات
العامة أن تحتضن هذه المشاريع وتؤطرها قانونيا وتوفر لها ما أمكن من موارد أو إعفاءات ضريبية وتشجع القطاع الخاص على تمويلها ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية إن تلاقح الجهود بين الحكومة والمجتمع يخلق بيئة مثالية لتوسيع نطاق مبادرات إطعام الفقراء وربما يمكن التفكير أيضا في شبكات تكايا تتواصل فيما بينها لتتبادل الفائض عند وفرة التبرعات في مكان ونقصها في آخر أو للتعلم من تجارب بعضها البعض فكما أنشأت
قصة تكية سيدنا إبراهيم في الخليل هي قبل كل شيء قصة بركة العمل الخيري الجماعي عندما يجتمع الناس على هدف نبيل كإطعام الجائع فإن بركة ذلك تتجاوز إشباع البطون لتطال كل جوانب الحياة رأينا كيف أن مدينة بأكملها نعمت بالأمن الاجتماعي لأن أهلها تكافلوا فلم يتركوا فقيرا يتضور جوعا هذه بركة حقيقية تشعر ولا تحصى بالأرقام فقط فرب أسرة معوز استطاع أن يوفر قوت أطفاله اليومي بكرامة وهدوء بفضل التكية سوف يكون أكثر قدرة على البحث عن عمل وأقل شعورا بالضغط وربما نجى من سوء مسلك قد يدفعه إليه اليأس وطفل يتيم وجد يدا حانية تقدم له وجبة ساخنة كل يوم سيكبر وفي قلبه شعور بالولاء لمجتمعه الذي لم يخذله ومتبرع سخر شيئا من ماله أو وقته في سبيل الله لإطعام إخوانه سيبارك الله له في ماله وعمره كما يعتقد وكما يجد فعليا أثر ذلك في نفسه ومجتمعه
إن بركة هذا العمل الجماعي تجلت أيضا في استمراريته عبر القرون فكم من مشروع أو مؤسسة بدأت ثم اندثرت إلا هذا العمل الخيري استمر رغم الحروب والفقر والوباء ألا يوحي ذلك بأن يدا غيبية تحفظه لعلها دعوات الجوعى والمساكين التي كانت تصعد إلى السماء كل يوم "اللهم بارك في من أطعمنا" فاستجيبت الدعوات وبقيت التكية مباركة في أهلها وخيرها يقول الله تعالى في محكم التنزيل فأما من أعطى واتقى فسنيسره لليسرى فمن أعطى وتصدق ابتغاء مرضاة الله يعده الله بالتيسير والبركة وهذا ما نلمسه في الخليل فحين أعطى أهلها بسخاء أكرمهم الله بأن كفاهم شح الفاقة وكابوس الجوع وأصبح رزقهم يأتيهم رغدا من خلال تعاونهم وتراحمهم
وفي الختام تلقي تكية سيدنا إبراهيم في الخليل دروسا بليغة لكل البشرية بأن الكرم والإيثار يمكن أن يصنعا المعجزات من غرفة بسيطة قيل إنها كانت ذات يوم مكانا يأكل فيه إبراهيم عليه السلام مع ضيوفه انبثقت شعلة خير لا تزال متقدة هي شعلة تقول لنا لن يجوع إنسان بين أناس يمتلكون الرحمة وإن كانت الخليل اليوم مدينة لا يجوع فيها أحد فلا سبب يمنع تكرار هذه التجربة في كل مدينة وبلدة إنها مسألة إرادة جماعية وتنظيم وحب للخير وعندما تتوفر هذه العناصر سنرى عالما أقل جوعا وأكثر شبعا وسلاما وكما بدأت قصتنا بكرم إبراهيم عليه السلام نختمها بحكمة نبوية عظيمة "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس" وما أنفع وما أجمل من أن تشبع جائعا وتحيي نفسا تلك هي رسالة الخليل وتكية إبراهيم إلى العالم ازرع الخير في أرضك فلن تجني