المدينة التي لا يجوع فيها إنسان
المحتويات
الأوضاع الاقتصادية خلال الجائحة وتشير الإحصاءات إلى أن التكية وزعت خلال شهر رمضان لعام 2020 (أثناء الجائحة) أكثر من 289 ألف وجبة خلال الشهر الفضيل وارتفع الرقم في رمضان التالي إلى ما يزيد عن نصف مليون وجبة بسبب ازدياد الحاجة هذه الأرقام المذهلة تؤكد أن روح التكية الإبراهيمية بقيت عصية على كل عراقيل الزمن تؤدي رسالتها السامية في أصعب الظروف
داخل التكية الإبراهيمية في الخليل تبدأ الحركة مع ساعات الفجر الأولى طهاة متطوعون يرتدون ملابسهم البيضاء يعملون كخلية نحل لإعداد كميات هائلة من الطعام تكفي الآلاف يوميا في قدور عملاقة تغلي الحبوب واللحوم وتمتزج رائحة "شوربة إبراهيم" المميزة (حساء القمح المجروش) مع بهجة العطاء التي يشعر بها كل من في المكان وبحلول الصباح الباكر يكون الإفطار جاهزا للتوزيع يصطف عشرات من المحتاجين في ساحة التكية بانتظام وانتظار هادئ أغلبهم من كبار السن والأرامل والأطفال الذين يعرفون أن وجبتهم الدافئة المضمونة بانتظارهم
من بين تلك المشاهد الإنسانية تقف طفلة في الحادية عشرة من عمرها تدعى شيماء حاملة وعاء كبيرا يفوق حجمها تنتظر دورها بصبر تقول شيماء وهي تخفي خجلها إنها تأتي يوميا لتحمل وجبة الإفطار لعائلتها المكونة من سبعة أفراد بعد أن فقدوا معيلهم في عيني الطفلة بريق امتنان وهي تتسلم حصتها حساء ساخن ولحم وأرز وخضار لتعود به مبتسمة إلى أمها وإخوتها مثل شيماء هناك مئات الأطفال والنساء الذين يجدون في التكية طوق نجاة من الجوع وضيق الحال تقول إحدى المسنات من المستفيدات (أم أحمد) وهي ترعى أحفادا يتامى "التكية لا توفر لنا الطعام الساخن وحسب بل هناك أهل خير يتكفلون أحيانا بدعمنا ماليا لتأمين باقي احتياجات أسرتي الفقيرة"
ولا يقتصر الأمر على المحتاجين وحدهم فمشروع التكية هذا بات مدرسة للأجيال في عمل الخير "لقد ورثت حب التطوع هنا عن والدي" هكذا يقول أحد الشباب المتطوعين وهو يعبئ الحساء في أوعية المستفيدين عشرات الشبان والشابات من أهل الخليل يقضون ساعات يوميا في خدمة التكية دون مقابل يملؤهم شعور عميق بالرضا لأنهم جزء من هذه الرسالة النبيلة إنهم يرون في التكية ملاذا آمنا للشباب أيضا حيث يتعلمون قيمة العطاء والعمل الجماعي المنظم المتطوعون جنبا إلى جنب مع 8 طهاة متفرغين يشكلون فريقا متفانيا
ينسق بحرفية البعض يقطع الخضروات وآخرون يجهزون اللحم والخبز وآخرون يقفون عند نقاط التوزيع يرحبون بالمحتاجين بكلمات طيبة وابتسامات حانية في الأعياد والمناسبات يزداد عدد المتطوعين بشكل لافت فالكل يرغب بالمشاركة في صنع الفرحة على موائد الفقراء
لقد نجحت التكية الإبراهيمية عبر نشاطها اليومي الدؤوب في تحقيق الأمان الغذائي لفئات واسعة من المجتمع الخليلي فأصبح الفقراء والمساكين يعلمون أن باب "أبو الضيفان" مفتوح لهم كل يوم وبأن لقمة العيش الأساسية مضمونة لا محالة هذا الشعور بالأمان قلص حالات التسول بحثا عن الطعام في شوارع الخليل إلى حد كبير فقلما تجد متسولا يطلب طعاما في هذه المدينة لأن الكل يعلم أين يمكنه أن يأكل مجانا بكرامة وهكذا تحولت التكية إلى صمام أمان يقي شر الجوع والفقر المدقع ويصون كرامة الإنسان المحتاج عبر توفير احتياجه الأساسي دون منة أو إحراج
إن استمرار تكية سيدنا إبراهيم بهذا الزخم عبر نحو ثمانية قرون وقدرتها على إطعام الآلاف يوميا جعل من الخليل بحق مدينة لا
يصف أحد أبناء الخليل ويدعى محمد إبراهيم كيف تغيرت حياته بعدما فقد ساقيه في حادث وظروفه المعيشية يقول الرجل البالغ 48 عاما والذي يعيل أسرة من ثمانية أفراد "قبل سبع سنوات تعرضت لحادث أفقدني قدرتي على العمل فأصبحت عاجزا عن إطعام أسرتي لكن لم يطل الأمر حتى وجدت التكية سندي صرت أحصل على طعام عائلتي كاملا سبعة أيام في الأسبوع من تكية الخليل" ويستطرد وعيناه تلمعان بالتقدير "نحن محظوظون هنا في الخليل الجميع يحصل على الغذاء الضروري ولن تجد فقيرا ينام جائعا في مدينة الخليل" كلمات هذا الأب تلخص حقيقة أصبح أهل الخليل فخورين بها وهي أن التكافل بينهم جعل مدينتهم نموذجا فريدا حيث الجوع ليس واردا رغم كل الفقر والمعاناة حولهم
لقد أصبح التكافل الاجتماعي في فلسطين متمثلا في أبهى صوره بهذه التكية ففي وقت تشير فيه الإحصاءات إلى أن حوالي 14 من سكان الضفة الغربية يقعون تحت خط الفقر
تبدو الخليل كواحة أمان بفضل تكاتف أهلها وعندما اشتدت جائحة كورونا وازدادت معدلات البطالة والفقر كانت الخليل مستعدة بفضل هذا الإرث التكافلي نصف مليون وجبة وزعت في رمضان واحد كما أسلفنا مما يعني نصف مليون مرة قال فيها محتاج "الحمد لله شبعت اليوم" إن هذه النتائج ليست إلا قصة نجاح إنسانية تلهم الآخرين قصة مدينة انتصرت على شبح الجوع بالتراحم والتآزر
من اللافت أن هذا النجاح لم يكن ليتم لولا التجاوب الشعبي الواسع فالناس في الخليل يعتبرون التكية مسؤوليتهم جميعا لذا نراهم "يتسابقون إلى عمل الخير" كما يقول مدير التكية في رمضان مثلا ما إن يعلن حلول الشهر حتى يزدحم جدول التكية بأسماء المتبرعين
منهم من يتبرع بالخراف أو الدجاج ومنهم من يهدي كميات من الأرز والخضار وآخرون يدفعون الأموال لتتكفل التكية بتجهيز الوجبات هذا السخاء الجماعي أثمر بركة واضحة يشعر بها الجميع فالمجتمع المتراحم الذي لا يبيت فيه جائع هو مجتمع أكثر أمنا واستقرارا وتآخيا بلا شك
يقف خلف استمرارية التكية الإبراهيمية عبر الزمن جيش من أهل الخير ممن نذروا أموالهم وأوقاتهم لخدمة الفقراء فمنذ القدم اعتمدت التكية على نظام الوقف والتبرعات لم تكن لها ميزانية حكومية ثابتة بقدر ما كانت صدقات المحسنين هي غذاؤها وروحها
واليوم تدار التكية إداريا من قبل وزارة الأوقاف الفلسطينية لكن مصاريفها كافة تأتي عبر تبرعات أهل المدينة وخارجها على حد قول مديرها لؤي الخطيب يصف الخطيب مشهدا يتكرر كل عام خصوصا في رمضان "منذ أول أيام شهر رمضان يتسابق أهل الخير على تقديم تبرعاتهم لإطعام الفقراء" لقد نظم القائمون على التكية جدولا بأسماء المتبرعين وأنواع تبرعاتهم فمثلا يوم الإثنين تبرع أحدهم بذبح عجول وطهيها ويوم الثلاثاء قدمت عائلة أخرى كميات من الخضار والأرز وهكذا دواليك لضمان تنوع الوجبات يوميا هذه المنافسة المحمودة بين المحسنين جعلت التكية واحة ممتدة العطاء لا ينضب خيرها بإذن الله
أما أفضل طرق التبرع التي يفضلها الناس هنا فهي تلك التي تترك أثرا مستداما كثير من العائلات تخصص مبالغ دورية (شهرية أو سنوية) لتمويل مطبخ التكية كنوع من الصدقة الجارية وهناك من يوقف جزءا من أملاكه كعقار أو أرض ويوصي بأن يصرف ريعه على إطعام الفقراء في الخليل محييا بذلك تقاليد الوقف القديمة أي الاستثمار في الخير بشكل مؤسسي يجمع أهل الخليل
متابعة القراءة