سخرت مني حماتي لأني بلا شهادة جامعية... لكن يوم وصفتني بالوضيعة أمام الجميع انقلبت حياتها رأسًا على عقب
أبو فهد فتأخر أكثر.
لكن بعد فترة وصلتني منه رسالة قصيرة
ما سويت اللي كان المفروض أسويه. سامحيني.
أما أم فهد...
فلم تقل شيئًا طوال ثلاثة أشهر تقريبًا.
إلى أن جاء ذلك المساء.
كانت الشمس تغيب فوق البحر.
وفجأة سُمع طرق على الباب.
فتح فهد الباب.
وكنت أنا في الصالة.
كانت هي.
أم فهد.
كانت ترتدي ثوبًا أبيض أنيقًا.
لكنها لم تبدُ كما كانت دائمًا.
بدت أصغر.
وأضعف.
ومتعبة.
وعيناها منتفختان.
ويداها متشابكتان أمامها.
وقالت بصوت خافت
ممكن أدخل؟
نظر إليّ فهد.
فالقرار كان لي.
قلت
تفضلي. لكن إذا جيتي تبررين اللي صار، فالحوار بينتهي بسرعة.
هزت رأسها.
وجلسنا جميعًا في الشرفة.
وكان هدير البحر يملأ الصمت الذي لا تعرف كيف تتجاوزه.
ثم قالت أخيرًا
ما جيت أطلب منك تنسين. جيت لأني اكتشفت إني خسرت ولدي بسبب غروري.
قلت
ما خسرتِ ولدك. خسرتِ حقك في إهانة زوجته بدون عواقب.
خفضت رأسها.
وقالت
كنت دائمًا أعتقد أن الاسم والشهادة والمكانة الاجتماعية هي اللي تعطي الإنسان قيمته. وجيتي إنتِ وأثبتِّ لي العكس. وما قدرت أتقبل هذا الشيء.
لم يكن اعتذارًا مثاليًا.
ولم يمحُ سبع سنوات من الألم.
لكنه كان أول كلام صادق تقوله لي.
قلت
أنا مو محتاجة محبتك. ولا محتاجة موافقتك. لكن إذا تبين تكونين جزءًا من حياتنا، لازم تحترميني.
ابتلعت ريقها.
وقالت
بحاول.
قلت بهدوء
لا. الاحترام ما يحتاج محاولة. يحتاج قرار.
أمسك فهد يدي فوق الطاولة.
ونظرت أم فهد إلى ذلك المشهد.
ولأول مرة...
لم يظهر على وجهها أي اعتراض.
انتهت علاقتنا بها دون أن تصبح مثالية.
فالحياة الواقعية لا تعرف المعجزات.
كانت ما تزال عنيدة أحيانًا.
ومتشددة أحيانًا أخرى.
لكنها تعلمت أن تتوقف قبل أن تؤذي.
وتعلمت أن أبوابنا يمكن أن تُفتح لها...
ويمكن أن تُغلق أيضًا.
أما أنا...
فتعلمت أنني لست مضطرة لأن أصبح شخصًا آخر حتى أستحق الاحترام.
وبعد عام كامل أطلقت جذور الرقمية مبادرة لدعم الشباب السعوديين الذين يريدون دخول عالم الأعمال دون الاعتماد على المسار الجامعي التقليدي.
وقدمنا فرصًا وتدريبًا لأبناء الأسر البسيطة.
ولأبناء الأرامل.
ولكل شاب أو شابة يملكون الموهبة ويحتاجون فقط إلى فرصة.
وفي يوم الافتتاح جلس والداي في الصف الأول.
كانت أمي تمسح دموعها بطرف عباءتها.
أما أبي، الذي تقاعد منذ سنوات من العمل على سيارة الأجرة، فكان ينظر إليّ وكأنه لا يصدق أن ابنته التي كانت تبيع الإكسسوارات في المدرسة وصلت إلى هنا.
صعد فهد إلى المنصة بجانبي.
وهمس
كل هذا بنيتيه أنتِ.
ابتسمت وقلت
بنيناه مع بعض... لكن هالمرة بحدود واضحة.
نظرت إلى الحضور.
وتذكرت الليلة التي نعتتني فيها أم فهد بالوضيعة.
سنوات طويلة ظننت أن تلك الكلمة جرحتني.
لكنني أدركت لاحقًا أنها حررتني.
لأن بعض الإهانات تجبرك على التوقف عن طلب الاحترام من أشخاص لم يرغبوا يومًا في منحه لك.
لم تكن الثروة الحقيقية هي البيت المطل على البحر.
ولا الأموال.
ولا المكاتب التي تحمل اسمي.
الثروة الحقيقية كانت راحة البال.
أن أنام مطمئنة.
وأن أنظر إلى زوجي فأجده أخيرًا موحدًا مع نفسه.
وأن أنظر إلى حماتي دون خوف.
وأن أنظر إلى الفتاة البسيطة التي كنتها يومًا وأقول لها
ما كان ينقصك تعليم يا نورة... كان عندك من الشجاعة ما يكفي لتبني حياتك كلها من الصفر.
ولو جاء يوم وقال لي أحد إنني لا أستحق مكانًا على طاولته...
فسأبتسم
وأحمل حقيبتي.
وأتذكر أنني تعلمت كيف أبني أبوابي بنفسي.