سخرت مني حماتي لأني بلا شهادة جامعية... لكن يوم وصفتني بالوضيعة أمام الجميع انقلبت حياتها رأسًا على عقب

لمحة نيوز

نهض فهد من مكانه نصف وقفة.
بس.
التفتت إليه أمه بغضب.
لا يا فهد، بس إنت. سبع سنوات وأنت تسمح لهذي المرأة تغيّرك. قبل كنت رجل عنده مستقبل، وعنده اسم وعائلة ومكانة. واليوم صرت تشتغل عند زوجتك كأنك موظف عندها.
قال بهدوء
أنا شريكها.
ردت باحتقار
أنت ظلها.
شعرت بشيء ينكسر بداخلي.
لكن ما كان حزنًا.
كان إرهاقًا.
إرهاق سنوات طويلة من الابتسام بينما أحدهم يغرس الإبر في روحي كل يوم.
قلت
يا أم فهد، إذا عندك شيء تقولينه، قوليه لي أنا.
ضحكت.
ثم قالت
طيب. بقولها لك. عمرك ما كنتِ كفاية لولدي. لا بشركتك، ولا بفلوسك، ولا بمكاتبك، ولا بثيابك الغالية. للحين أنتِ نفس البنت اللي ما عندها شهادة جامعية وجت لهالبيت وهي تظن إنها تقدر تشتري مكان لها على طاولتنا.
تمتم أبو فهد باسمها محاولًا إيقافها.
لكنه لم يفعل أكثر من ذلك.
أما أخو فهد فظل ينظر إلى طبقه.
وأخته كانت الدموع تلمع في عينيها.
لكنها أيضًا لم تتكلم.
ثم قالت أم فهد الجملة التي فتحت عيني بالكامل.
اطلعي من بيتي يا نورة. اطلعي يا وضيعة.
دفع فهد كرسيه بقوة حتى سقط خلفه.
اعتذري حالًا!
لكنني رفعت يدي أوقفه.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
ولم أرتجف.
أخذت المنديل من أمامي.
طويته بهدوء.
ووضعته بجانب الطبق كما هو.
ثم قلت
شكرًا يا أم فهد.
رمشت باستغراب.
شكرًا؟
قلت
إي نعم. شكرًا لأنك لأول مرة خلال

سبع سنوات كنتِ صريحة معي.
حملت حقيبتي.
وحاول فهد اللحاق بي.
نورة، أنا جاي معك.
نظرت إليه.
بحب.
لكن أيضًا بوضوح لم أشعر به من قبل.
وقلت
لا.
توقف مكانه.
لا؟
خلك هنا. هذي عائلتك. واليوم لازم تقرر بنفسك أي مكانة لهم في حياتك.
خرجت من القصر وأنا رافعة رأسي.
وعندما أغلقت الباب خلفي، ضرب هواء الرياض البارد وجهي.
طلبت سيارة عبر التطبيق.
وجلست في المقعد الخلفي.
ولم أبكِ مباشرة.
بل نظرت إلى أضواء المدينة وهي تمر خلف زجاج السيارة.
وشعرت بشيء غريب جدًا.
شعرت بالراحة.
عندما وصلت إلى البيت، صعدت إلى غرفة الملابس.
وأخرجت حقيبة سفر.
لم أكن أهرب.
كنت أستعيد نفسي.
بعد ثلاثة أيام سافرت إلى الخبر.
إلى البيت المطل على البحر الذي اشتريته أنا وفهد قبل سنوات ليكون ملاذًا بعيدًا عن ضجيج الحياة.
كان البيت أبيض الجدران.
واسع النوافذ.
وتطل شرفته على الخليج العربي وكأن البحر يتنفس أمامك.
خلال الأسبوع الأول أغلقت هاتفي أغلب الوقت.
كنت أمشي على الكورنيش.
وأنام لساعات طويلة.
وأتناول الفاكهة الطازجة.
وأستمع لصوت الأمواج وكأنه دعاء قديم يهدئ القلب.
كان فهد يتصل كل ليلة.
في البداية كان محطمًا.
قال لي في إحدى المكالمات
أمي تقول إنها كانت معصبة وما كانت تقصد.
قلت
هذا مو اعتذار.
قال
أدري.
قلت
وإنت وش قلت لها؟
سكت قليلًا.
ثم قال
قلت لها إنها غلطت.

قلت
بس؟
تنهد.
وقال
نورة... الموضوع مو سهل.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا.
المشكلة ما كانت أم فهد وحدها.
المشكلة كانت العائلة كلها.
كلهم يعرفون من هي.
كلهم يعرفون كيف تؤذي الآخرين.
لكنهم تعودوا على الصمت حتى لا يغضبوها.
أما أنا...
فلم أعد أريد أن أكون جزءًا من هذا الصمت.
في الأسبوع الثالث وصل فهد إلى الخبر دون أن يخبرني.
وجدته واقفًا عند الباب ومعه حقيبة سفر.
عيناه متعبتان.
ولحيته غير مرتبة.
قال
ما قدرت أكمل بدون ما أشوفك.
كنت أريد أن أركض إليه وأعانقه.
لكنني كنت ما زلت غاضبة.
قلت
كان بإمكانك تسألني إذا كنت مستعدة أستقبلك.
قال
أنا زوجك.
قلت
صحيح. لكن هذا ما يعني إنك تتجاوز حدودي.
في تلك الليلة جلسنا نتحدث لساعات طويلة.
لم تكن هناك صرخات.
ولا اتهامات.
فقط حقائق مؤلمة.
قلت له
أحبك يا فهد. لكني ما أقدر أرجع لحياة تهينني فيها أمك، وتدافع عني فقط بعد ما ينتهي كل شيء.
خفض رأسه.
وقال
كنت أحاول أحافظ على السلام.
قلت
أحيانًا المحافظة على السلام تعني السماح بالظلم.
بكى.
وبكيت معه.
لم تكن جلسة لتحطيم زواجنا.
بل كانت محاولة لإنقاذه.
وفي اليوم التالي بدأنا جلسات استشارية عن بُعد.
وبدأ فهد يفهم أن محاولته المستمرة ليكون الابن المثالي جعلته عاجزًا عن وضع الحدود.
وأدركت أنا أيضًا شيئًا آخر.
سنوات طويلة وأنا أحاول كسب رضا أم فهد.
مع
أن الشيء الوحيد الذي كنت أحتاجه هو احترام نفسي.
بعد أسبوع اتصل فهد بأمه ووضع المكالمة على السماعة.
وقال
يمه، أنا ونورة عندنا شيء نبغى نقوله.
ردت مباشرة
أخيرًا. خلاص كفاية دراما. وإذا نورة زعلت من كلامي يمكن لأني كنت معصبة ذاك اليوم.
أغلق فهد عينيه.
وأخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال
لا. مو راح نقلل من اللي صار. إنتِ وصفتِ زوجتي بالوضيعة. وأهنتيها سنوات طويلة. وأنا سكت أكثر مما يجب.
ساد الصمت.
ثم قالت
فهد، أنا أمك.
قال
وهي زوجتي. وأنا مو قاعد أطلب منك تحبينها. أنا أطلب منك تحترمينها. وإذا ما تقدرين، ما راح تكونين جزءًا من حياتنا اليومية.
شعرت بقلبي ينقبض.
لأول مرة لم يكن فهد يحاول تلطيف الحقيقة.
بل كان يحملها كما هي.
أغلقت أم فهد الخط.
وخلال الأشهر التالية تغيّرت حياتنا.
حولنا بيت الخبر إلى مقر إقامتنا الرئيسي.
وافتتحنا مكتبًا جديدًا في جدة.
ثم آخر في الرياض.
ونمت جذور الرقمية أكثر من أي وقت مضى.
لأنني للمرة الأولى كنت أعمل من مكان مليء بالسلام.
لا من مكان مليء بالحاجة لإثبات نفسي لأحد.
أما فهد...
فقد تغيّر هو أيضًا.
ليس بين ليلة وضحاها.
لكن تدريجيًا.
تعلم أن يقول لا.
وتعلم ألا يرد على الاتصالات التي تعتمد على الشعور بالذنب والضغط.
وتعلم أن حب الأم لا يعني طاعتها في كل شيء.
كانت أخته أول من زارنا.
وفي إحدى الأمسيات
وهي تشرب القهوة معنا على الشرفة، أمسكت بيدي وقالت
سامحيني إني ما دافعت عنك ذيك الليلة.
قلت
كنتِ خايفة.
هزت رأسها.
صحيح. لكن هذا ما يبرر سكوتي.
واتصل أخوه بعدها ليعتذر.
أما
تم نسخ الرابط